عبد الرحمن محمد-القاهرة

"فرج تيتي، أحمد التباع، الخوازيق، إله القطونيل، الراقصة صافيناز، مومياء بكفن، البرميل"؛ جميع ما سبق من أسماء مرتبط في ذاكرة المصريين بمسميات مختلفة، إلا أنها اجتمعت مؤخرا لتصبح أعلاما أطلقوها على تماثيل ونصب تذكارية تم إنشاؤها بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013.

أكثر من عشرة تماثيل ونصب تذكارية احتُفل بوضعها في ميادين بمحافظات مختلفة خلال المرحلة التي أعقبت الانقلاب العسكري، اشتركت جميعها في تواضع الشكل الفني الذي ظهرت به إلى حد وصفها بالقبح والرداءة من خبراء ومتخصصين، كما لقيت سخرية وتندرا واسعين من نشطاء بمواقع التواصل الاجتماعي.

"وكأن المقصود أن نعيش مرحلة يكتنفها السوء والوضاعة في مختلف النواحي السياسية والفنية والثقافية"، هكذا عبر المصمم الفني حاتم عباس عن رأيه في هذه التماثيل والنصب التذكارية، مضيفا -في حديثه للجزيرة نت- "كل منتج بعد الانقلاب مهما كان موضوعه ستجده يتسم بذات السمة وهي الرداءة".

آخر تلك التصاميم كان لنصب أطلق عليه أهالي مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية "البرميل"، والذي تم وضعه في ميدان أنور السادات بالمدينة منذ أيام، ووُضع عليه رسم لصورته لكنه كان أشبه ببرميل القمامة، وبعد حملة واسعة من انتقاده صرح مسؤولون بأنه تم تنفيذه بجهود ذاتية ولا علاقة للمحافظة به.

صلاح المليجي: هذه التماثيل والنُصُب تؤثر سلبيا على الذائقة الفنية (الجزيرة)

انتكاسة للذوق
رئيس قطاع الفنون التشكيلية الأسبق بوزارة الثقافة صلاح المليجي أبدى أسفه الشديد لما وصل إليه حال صناعة التماثيل والنصب التذكارية، محذرا من آثار ذلك على "الذوق الفني" لدى فئات الشعب المصري.

وطالب في حديثه للجزيرة نت بتكوين لجنة من قطاع الفنون التشكيلة بوزارة الثقافة ونقابة الفنانين التشكيليين "تتحمل مسؤولية إقرار هذه المجسمات قبل الموافقة على وضعها في الميادين حتى تكون مطابقة لمواصفات فنية واضحة لا تسمح بظهور التشوه أمام الناس".

وأعرف عن أسفه لأن "كل من يعمل في هذه المساحة يرى في نفسه صاحب الذوق الفريد، وأنه قد أنتج عملا فريدا، وهو في الحقيقية ليس كذلك ومن هنا تكمن أهمية هذه اللجنة"، لافتا إلى أنه لا بد في هذا السياق من إعداد مسابقات تثمر في النهاية المنتجَ الأفضل والأحق بالعرض.

وانتقد المليجي الأسلوب الذي تُختار به التصاميم، مضيفا: "مثل هذه التماثيل والنصب تؤثر بشكل سلبي على الذائقة الفنية لدى المواطن المصري البسيط".

بدوره، يرى خبير علم المصريات بسام الشماع أن "ضعف الإمكانيات غير المبرر -سواء على مستوى المادة المستخدمة في الصناعة أو على مستوى الفنانين المتخصصين- له دور في هذه النتيجة السيئة".

بسام الشماع: هناك استسهال واستعجال في تنفيذ التماثيل والنصب التذكارية (الجزيرة)

استسهال واستعجال
وأضاف في حديثه للجزيرة نت "الأزمة أحيانا في محاولة عدد من الهواة مقارعة عباقرة النحت كما حدث في تمثال نفرتيتي، وكان الأفضل لهم الابتعاد عن مساحة محاكاة التماثيل المصرية القديمة".

ولفت إلى أن هناك نوع من "الاستسهال والاستعجال" في تنفيذ التماثيل والنصب التذكارية، محملا المسؤولين مسؤولية ما وصلت إليه "الحالة الفنية" ومطالبا بضرورة استفتاء أهل المدينة أو الحي قبل وضع التماثيل في ميادينهم.

في السياق ذاته، قال رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام (تكامل مصر) مصطفى خضري، إنه "بالرغم من عدم اهتمام كثير من الناس بهذه التصرفات، فإنّ الدارس لعلم الاجتماع يعرف أنّ تلك الجريمة التي قام بها النظام ليست مصادفة، إنما جزء من سيناريو نشر ثقافة القبح الحضاري في المجتمع".

وتابع في حديثه للجزيرة نت أن "ميادين مصر بعد أن كانت مليئة بالأعمال الفنية الباعثة على التفاؤل، تفاجأ المجتمع المصري بمجسمات قبيحة المنظر فارغة المعنى تطالعه في كل مكان، وهو ما يؤدي للتلوث البيئي البصري، وإشاعة حالة من القبح المؤثر سلبيا على الفكر والشعور والإدراك".

وأوضح أن "تلك السمات شائعة في الأنظمة القمعية الحديثة كأداة من أدوات بث الإحباط في المجتمع، فالمجتمعات المحبطة المقهورة أكثر طاعة للأنظمة الحاكمة، وذلك لضمان استمرار النظام أطول فترة ممكنة".

المصدر : الجزيرة