الصحبي العلاني-تونس

في خطوة اضطرارية لكنها غنية بالأبعاد الرمزية، نقل المركز الوطني التونسي للترجمة مقره الرسمي من قلب المدينة العتيقة في تونس العاصمة إلى شارع الحرية في الحيّ الأوروبي بحثا عن فضاءات أرحب، استعدادا لمشاريع جديدة في مشهد ثقافي متسم بالجدل.

غير بعيد عن مقر الإذاعة الرسمية وعن معهد بورقيبة للغات الحية الذي ظلّ يستقطب منذ أكثر من ثلاثين سنة آلاف الطلبة الأجانب، يوجد المقرّ الجديد للمركز الوطني للترجمة الذي يستعد لإقامة جناح دائم لعرض منشورات يعود بعضها لعام 2006، عام تأسيس المركز.

"بحساب الزمن، تبدو مؤسستنا -مقارنة بغيرها من المؤسسات الشبيهة- حديثة عهد بالمجال، فهي لم تتجاوز العاشرة من العمر، ولكنها بلغت –مع ذلك- سنّ الرشد".. بهذه العبارات المتفائلة يستعرض مدير المركز خالد الوغلاني مسيرة المؤسسة متوقّفا بصورة خاصة عند وضعيتها في المقر القديم الذي كان "من الصعب الوصول إليه رغم احتوائه على مكتبة قيّمة".

ويضيف الوغلاني أنه "بمرور الزمن صار رصيد المكتبة عبئا على المركز، خاصة أن المقر القديم يشكو من الرطوبة التي تميّز فضاءات المدينة العتيقة ككل، فكان الخروج إلى شارع الحريّة أمرا حتميا حتى تسترجع المؤسسة أنفاسها وتنطلق مجددا برؤية أكثر انفتاحا وحيوية".

خالد الوغلاني: المؤسسة تنطلق مجددا برؤية أكثر انفتاحا وحيوية (الجزيرة)

مدرسة للترجمة
وعن مشاريع المرحلة الجديدة، أشار الوغلاني إلى أن أبرزها يتمثّل في إحداث "مدرسة تونس للترجمة"، باعتبار ذلك يدخل في "صميم المهمة الموكولة إلى المركز، بما أن دوره لا يقتصر على ترجمة الأعمال من العربيّة وإليها، بل بوسعه أيضا أن ينهض بمهمّة تكوين المترجمين والمترجمين الفوريين الذين تفتقر إليهم تونس وتحتاجهم عديد المؤسسات والهيئات الدولية".

لكن تلك المهمة ليست محل إجماع لدى عدد من المهتمين بشؤون الترجمة في تونس، إذ يرى البعض في المدرسة المأمولة مجرّد تكرار لما تقوم به المؤسسات الجامعية التي جرت العادة أن تكوّن المتخصصين في هذا المجال وتدفع بهم إلى سوق الشغل.

ويقول الكاتب محمد علي اليوسفي الذي اشتهر بترجماته الرائدة لأعمال كبار الروائيين والشعراء العالميين مثل غابريال غارسيا ماركيز وأوكتافيو باث وغيرهما، إن "المركز منذ تأسيسه يثير من الإشكالات ما لا يثيره من الحلول.. بعدما تحوّل إلى ما يشبه التجمع الأكاديمي المغلق على جماعة شبه سرية".

وفي هذا السياق، فإن تأسيس مدرسة تونس للترجمة ليست إلا جزءًا من "مسيرة بيرقراطية متوجة بالبقاء في حلقة مفرغة أو تكاد"، فلا معنى -في رأيه- "لتدريس الترجمة الفوريّة بالفلوس طالما لم نطرح الأسئلة الجوهريّة: لماذا؟ لمن؟ وكيف؟".

اليوسفي: المركز بات يشبه التجمع الأكاديمي المغلق على جماعة شبه سرية (الجزيرة)

مشاريع جديدة
وردا على الآراء المخالفة، يؤكد الوغلاني أن "إحداث المدرسة ليس من باب المنافسة مع الجامعة التونسية، بل في نطاق التعاون معها ومع المدرسة العليا للمترجمين والنقلة في باريس، وهي مدرسة عريقة تأسّست عام 1951".

وأضاف أن ذلك "يندرج ضمن إستراتيجية أشمل بالنظر إلى أن العالم العربي يحتاج إلى تكوين جيل جديد من المترجمين يفترض أن يأخذ المشعل عن كبار مترجمينا الحاليين".

ومن بين المشاريع التي يستعد المركز الوطني للترجمة في تونس لإنجازها تعريب "دائرة المعارف الإسلامية". وقد تمّ توقيع اتفاق في الغرض مع منشورات "بريل" الهولندية التي تملك حقوق تأليف هذه الموسوعة ذات الصيت العلمي العالمي الكبير. ويمتد المشروع "على ثلاثين سنة بما أن المجلدات العشرة التي تتكوّن منها الدائرة ستصدر بانتظام كل ثلاث سنوات".

وعن جدوى هذا المشروع بالنظر إلى أن "دائرة المعارف الإسلامية" ترجمت سابقا إلى العربية، يقول الوغلاني إن الترجمة الجديدة ستكون مختلفة لأنها "ستلتزم بشروط الأمانة العلمية، ولن تدخل أي تغيير على مضامين الموسوعة ولن تتصرّف فيها بما يخل بها".

المصدر : الجزيرة