نزار الفراوي-طنجة

يكرس المخرج المغربي الشاب هشام العسري في فيلمه "البحر من ورائكم" أسلوبا واضح المعالم بأدوات تعبير وجمال متفردة، تجعله حالة خاصة بين الجيل الجديد من السينمائيين المغاربة، تسائل باستمرار ذهن المتلقي، سواء على مستوى الجمهور الواسع أو على صعيد المحفل النقدي.

يشارك "البحر من ورائكم" (88 دقيقة، 2014) في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة بالمهرجان الوطني للفيلم في طنجة (26 فبراير-5 مارس). وهو جزء من ثلاثية بدأها المخرج بفيلم "هم الكلاب" ( 2013) الذي قوبل بترحيب واسع مغربيا وعربيا، واختتمها فيلم "جوع كلبك" (2015). وقد شاركت الثلاثية في ثلاث دورات متتالية من مهرجان دبي السينمائي.

في سينما هشام العسري (1977)، لا تقدم قصص للمشاهد بتوابل السرد التقليدي، بل شذرات سردية تتضافر فيها وحدات تعبير عديدة لإنتاج المعنى، وليس الحوار المنطوق إلا عنصرا قليل الأهمية منها. في هذا العمل أيضا، بهذا المعنى، لا تجد قصة ولكن بالتأكيد تجد موضوعا لا تكفي لجمع شتاته مشاهدة وحيدة.

لا ينفصل الفيلم الذي عرض ضمن فقرة بانوراما بمهرجان برلين السينمائي (2015)، عن الهواجس التي تسترعي اهتمام العسري منذ فيلمه "النهاية" (2011) الذي أعلن ميلاد مخرج برؤية ذكية وناضجة: أنين الهوامش، الفضاءات والشرائح المنسية، الصرخات المكتومة لكائنات مقموعة بل ومسلوبة الذاكرة والمستقبل، في المغرب وفي العالم العربي.

أفلام هشام العسري حصدت جوائز كثيرة في مهرجانات عربية ودولية (الجزيرة)

تيه واغتراب
وفي إنتاج "البحر من ورائكم" لم يستفد العسري من برنامج الدعم العمومي للسينما، بل حصل على تمويلات من برنامج "إنجاز" الإماراتي ومشروع "آفاق" للثقافة والفنون ببيروت، وصندوق الفرنكوفونية لدعم الإنتاج السمعي البصري بالجنوب.

في ثنايا العمل يمكن الوقوف عند شخصيتين طافحتين بالإحالة إلى أوضاع اجتماعية وسياسية متخبطة، فالبطل طارق (لعب الدور مالك اخميس) ويعيش حالة تيه واغتراب في الزمان والمكان، ويعاني من عدم قدرته على البكاء (مرحلة ما بعد المأساة).

من جهة أخرى يستوقنا حضور حصان يحمل، في تلميح واضح، اسم "العربي" وقد شاخ ولم يعد قادرا على "التقدم" فبات ضرورة أن يعدم برصاص الرحمة.

يبحث طارق عن دمع للتطهر من مأساة مركبة، اعتقل واغتصبت زوجته وسلب أطفاله، والحصان توقف لأن "التاريخ العربي توقف" كما يقول المخرج نفسه في لقاء أعقب العرض. بقية الشخصيات كلها تائهة، في عالم رسمه العسري بالأبيض والأسود، وهو اختيار جمالي له ما يبرره، ففضاء الفيلم عالم "قيامي" خارج الزمكان الواقعي الموشى بألوان الحياة.

ذلك التيه "العربي" يجسده فيلم "هم الكلاب" حيث يحيك المخرج المؤلف حكاية المعتقل السياسي السابق الذي يطلق سراحه في ذروة موجة الربيع العربي وتمظهره في المغرب، فيعيش خارج الزمن والمجتمع الذي ألقي بعيدا عنهما ظلما سنوات طويلة من عمره.

طاقم فيلم "البحر من ورائكم" قبيل عرضه في طنجة
ضمن المهرجان القومي للسينما المغربية
 (الجزيرة)

وهو الانشغال نفسه بذاكرة القمع والسلطة المستبدة التي يجسدها فيلمه "جوع كلبك"، حيث تنبعث شخصية رجل دولة مستبد ينتمي إلى عصر ما يسمى "سنوات الرصاص" ليطل على مآلات الأوضاع في الراهن المغربي، وتحولات القيم داخله.

يتلاعب العسري بالدلالات، يمزج الحوارات والعلاقات بين الأشياء بتشكيل مغرق في "العبث" تعبيرا عن فوضى العالم وخروج العالم العربي من التاريخ، وتشظي الإنسان العربي تحت ضغط التيه والعجز واليأس. يؤثث الإطار بعناصر تعبير لصنع عالم من الفانتازيا يسخر من الواقع ويدينه.

هي اختيارات جمالية ولغة بصرية تكسر السرد الخطي وبداهة الدلالة وتسلسل الزمن والأحداث، ما يجعل أعمال العسري عصية على فهم كثيرين ليس فقط من الجمهور العريض، بل أيضا من الفئات المتعلمة. ومع ذلك يقر بأنه معني بتوسيع نطاق تلقي مقترحاته، وهو يدعو الجمهور إلى الثقة في إحساسه لا في فهمه المعقلن.

جوائز كثيرة في مهرجانات مغربية وعربية ودولية ومشاركات في محافل سينمائية رفيعة، تزكي موهبة فنية أكيدة لمخرج مبدع يطل على عقده الرابع، جامعا بين كتابة الرواية وكتابة السيناريو والمسرح والتنظير النقدي، فضلا عن الإخراج. هشام العسري رافد جديد يغني المشهد السينمائي المغربي والعربي.

المصدر : الجزيرة