بدر محمد بدر-القاهرة

"سور الأزبكية" لبيع الكتب القديمة والمستعملة بوسط القاهرة يشكل حالة معرفية وثقافية وتاريخية نادرة، تمتد في ذاكرة مصر المعاصرة لأكثر من قرن من الزمان، ويعرفه المثقفون والباحثون والأدباء والمهتمون بالقراءة عموما، لكنه يعيش الآن حالة من الذبول والاندثار.

شكّل هذا السور سوقا رائجة للكتب التي تجمع بين الثمن الزهيد والندرة في الوقت نفسه، وتعتمد أساسا على الكتب القديمة والمستعملة في مختلف مجالات المعرفة، يبيعها أصحابها بعد الانتفاع بها، أو يشتريها التجار من ورثة الكتّاب والأدباء، وبالتالي فهي فرصة للمواطن البسيط، الذي يسعى للقراءة والاطلاع مع ضيق ذات اليد.

وتعود بدايات السوق إلى أوائل القرن العشرين، عندما كان باعة الكتب الجائلون يمرون على المقاهي المنتشرة في ذلك الوقت لبيعها للرواد، ثم يستريحون في فترة الظهيرة عند سور حديقة الأزبكية بوسط القاهرة، وكان نصف السور الأسفل من الطوب الأحمر، والأعلى من الحديد المتشابك.

وحديقة الأزبكية أنشأها الخديوي إسماعيل باشا في سبعينيات القرن الـ19، بالقرب من دار الأوبرا الملكية بحي العتبة، وجلب لها أشجارا ونباتات زينة نادرة من عدة دول أوروبية، لكي تصبح مزارا سياحيا، يتوافق مع رغبته في جعل مصر قطعة من أوروبا.

الطلبة أهم رواد سور الأزبكية إلى جانب باقي المهتمين بالقراءة من مثقفين وصحفيين وكتاب (الجزيرة)

وبدأ زوار الحديقة ومحبو الكتب يتوافدون على هؤلاء الباعة، الذين يأتون وقت الظهيرة، حتى عرف المكان بأنه سوق الكتب زهيدة الثمن، وفي فترة الأربعينيات وافقت حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا على منح هؤلاء الباعة تراخيص رسمية، تحميهم من مطاردة شرطة البلدية.

وعقب حريق دار الأوبرا المصرية عام 1981، قررت محافظة القاهرة بناء "جراج" متعدد الطوابق لانتظار السيارات مكان دار الأوبرا القديمة، وزاد الأمر سوءا بالحفر أسفل سور الأزبكية لإنشاء خط سير "مترو الأنفاق" في التسعينيات، وهو ما أدى إلى إزالة السور بالكامل، وإغلاق المكتبات لفترة.

قاد المثقفون والصحفيون حملة إعلامية لإعادة اهتمام الدولة بمكتبات سور الأزبكية كأحد معالم القاهرة الثقافية، مما أدى إلى تخصيص الهيئة المصرية العامة للكتاب أحد الأجنحة المفتوحة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لعرض كتب سور الأزبكية، منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن.

كما شيدت محافظة القاهرة 132 محلا صغيرا لبيع الكتب في مكان السور القديم، لكنها فتحت المجال أمام بيع منتجات أخرى غير الكتب، مثل الملابس الجاهزة والخردوات ومحلات الأطعمة وغيرها، أي لم يعد السور حاليا مخصصا للكتب فقط، كما كان في السابق.

تغييرات كثيرة طرأت على طبيعة مكتبات سور الأزبكية كما تغيرت نوعية القراء وأتيح بيع الكتب الحديثة أيضا (الجزيرة)

عقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011، تراجعت أهمية السور نوعا ما، نظرا لحاجة القراء إلى فهم ما يجري من أحداث سياسية بشكل أكبر، إضافة إلى الانفلات الأمني، وهو ما أدى إلى انصراف بعض المكتبات إلى أماكن أخرى داخل القاهرة، منها ميدان الإسعاف، وجامعة القاهرة، والجامع الأزهر.

نوعية الرواد 
رواد سوق الأزبكية للكتب في الأساس هم محبو القراءة من الطلاب والباحثين والصحفيين والموظفين والأدباء، كما يحرص أيضا كثير من العرب على ارتياد السوق، حيث يستطيع أحدهم شراء ما يحتاج إليه من الكتب والمجلات النادرة بمال قليل.

وكان من الرواد أيضا بعض مشاهير الأدباء والشعراء والسياسيين، منهم على سبيل المثال الروائي نجيب محفوظ، والأديب إبراهيم المازني، والأديب والشاعر عباس محمود العقاد، ومن رجال السياسة  الرئيس الراحل أنور السادات، كما يشير في مذكراته.

مؤخرا تغيرت طبيعة مكتبات السور كما تغيرت نوعية القراء، فأصبحت التجارة أيضا في الكتب الحديثة والجديدة، وأدخلت بعض المكتبات خدمة التصوير الضوئي لمساعدة القراء والباحثين.

فهل يستمر "سور الأزبكية" في عطائه الثقافي والحضاري، أم يذبل ويندثر بفعل تغير عوامل الزمن؟

المصدر : الجزيرة