زلفا صفير-بيروت

في مبنى صحيفة النهار اللبنانية في العاصمة بيروت، تنعي "مكتبة البرج" وبكل أسف ثلاثة عشر عاما من عمرها، وتغلق أبوابها نهائيا بعد أن كانت منصة ثقافية تستضيف شتى أنواع النشاطات الفكرية من توقيع كتب وأمسيات شعرية وقراءات أدبية وورش عمل للكتابة.
 
هذه المكتبة الخاصة التي أسسها الصحافي اللبناني الراحل غسان تويني، انطفأت بعدما كان المأمول أن تلعب دورا ثقافيا رياديا ولا ينحصر وجودها في متجر أوراق.
 
والأسباب عديدة، كما يقول مديرها العام ميشال شويري في حديث للجزيرة نت، أبرزها الوضع السياسي المتدهور في لبنان الذي انعكس سوءا على الأحوال الاقتصادية، فتعذر الاستمرار في الترويج لما استجد في عالم الأدب والكتاب وتقديم المكتبة كفسحة لقاء للمثقفين اللبنانيين والعرب.

المكتبة التي تحوي 16 ألف عنوان بالعربية والفرنسية والإنجليزية تعد معلما فكريا من ذاكرة بيروت الثقافية قبل أن تضطر للغياب. لم يكن ممكنا إنقاذ هذا المشروع باستنساخ تجارب مكتبات عربية دهمها ما دهم "البرج" ثم صمدت، فالمسألة أكبر من أن تنحصر في الدعم المادي لتتشعب وتشمل مشكلة كتاب هجره محبوه، ومشكلة قراءة تتراجع، ومواقع إنترنت مجانية تزاحم وتتفوق في تقديم شتى أنواع المعرفة.

ميشال شويري: الوضع السياسي بلبنان ينعكس على أحوال الأدب والنشر (الجزيرة)

مكتبات عامة
تشمل الأزمة المكتبات العامة في لبنان والتي تحظى بدعم الدولة ماليا، لكنها تشكو أيضا تراجع نسبة القراء لديها. فعلى بعد أمتار من مكتبة البرج، تقع مكتبة الباشوراء العامة، وهي فرع من مكتبة السبيل الكبرى التي تضم ثلاثة فروع في بيروت بالإضافة إلى 22 فرعا آخر في لبنان.

تعاني الباشوراء من تراجع عدد قرائها، ويعزو مدير جمعية مكتبة السبيل زياد بو علوان ذلك التراجع إلى سوء الأحوال الأمنية والسياسية، لكنه يشدد في حديث للجزيرة نت على أن عدد القراء في الفرعين الآخرين في بيروت يزداد سنويا ألف قارئ نتيجة قربهما من محيط جامعي ولجوء الطلاب إليهما لإنجاز أبحاث مطلوبة منهم.

ويؤكد بو علوان في حديثه أن ميل القراء تحول إلى الموضوعات العلمية أكثر من الأدبية، الأمر الذي يعزز احتمال انحسار القراءة في المجال الأدبي لصالح العلوم الدقيقة، وأن دعم القراءة يكون عبر إنشاء المكتبات الرقمية، مشيرا إلى استسهال الحصول على المعلومة من المواقع الإلكترونية. 

سماح إدريس: الكتاب العربي في أزمة و"الثقافة" لا تبيع (الجزيرة)
دور النشر
لدار "الآداب" للنشر والطباعة في بيروت بصمات عريقة منذ عام 1956 في نشر الثقافة العربية، حاملة راية الإسهام في خلق مواطن واعٍ عبر الثقافة. ويقول مديرها سماح إدريس إن الكتاب العربي في أزمة، وإن "الثقافة" لا تبيع.

ويضيف إدريس في حديث للجزيرة نت أنه عند حدوث أي مشكلة مالية في مؤسسات صحفية تتم التضحية بالشق الثقافي فيها، ودار الآداب تحرص على تفادي الأزمات المالية بالاعتماد في مبيعاتها على السوق العربية أكثر من اللبنانية وتعمل على تحديث صورتها من خلال نشر مجلتها الشهيرة "الآداب" إلكترونيا منذ نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.
 
تعيد هذه التطورات السؤال عن راهنية مقولة "القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ"، وبالأخص الشق المتعلق بمستقبل دور النشر والمكتبات في بيروت في إثراء الحياة الثقافية.

ويزيد من حدة ذلك السؤال طغيان نمط جديد من القراءة يتمثل في تصفح القراء الإنترنت والشغف بالمعلومة العلمية الرقمية، وهو ما يؤشر على اضمحلال صورة الثقافة التقليدية في زمن انتصر فيه الإلكتروني على كل ما هو ورقي.

المصدر : الجزيرة