أمير تاج السر

منذ فترة قرأت رواية "يوميات نائب في الأرياف" للراحل توفيق الحكيم، في طبعة جديدة مجانية ضمن سلسلة الكتاب الشهري التي تصدر مع مجلة الدوحة القطرية، ويكون الكتاب -غالبا- قديما صدر منذ سنوات طويلة، وتمت إعادة إحيائه للأجيال الحالية في هذا المشروع الحيوي. وأتيح لنا حتى نحن الذين قرأنا بعض هذه الكتب في زمن توهجنا القرائي أن نعيد اكتشافها من جديد، ونقارنها بالآداب الحالية، التي تكتب بوحي من هذا العصر.

قرأت أعمالا أخرى لتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وسهيل إدريس، وغيرهم ممن صاغوا وجداننا، وأذكر أن كل الكتب كانت متوفرة في المكتبات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، في مدينة بورتسودان، حيث عشت معظم فترتي الطفولة والصبا، ومدينة الأبيض (غرب البلاد)، حيث عشت هناك بعض الوقت.

كانت الكتب تصل بالرغم من عدم وجود وسائل حديثة وسريعة مثل اليوم، وقد حدث العكس، فمن النادر الآن أن تعثر على الكتب في أماكن أبعد من العاصمة، وقد تحدثت عن ذلك كثيرا، وعزوت الأمر إلى قلة الاهتمام بالقراءة والكتابة، أكثر منه صعوبة إيصال المعرفة.

لقد أدهشتني رواية الحكيم مؤكدا، في وقت لم يعد فيه ثمة إدهاش كثير، أو قليل، وكل شيء تم اكتشافه، وكل مخبأ في أي قعر من أي بئر، هناك من وصل إليه وعراه، وهكذا أصبح القص عن الأماكن التي يفترض أنها مجهولة، وتحتاج لاكتشاف، مستحيلا؛ لأن تلك الأماكن نفسها فيها كهرباء وإنترنت، وهناك من أنشأ لها صفحات في وسائل التواصل الاجتماعي، ووضع فيها كل المعلومات اللازمة.

قرأت كتاب "البوسطجي" للراحل يحيى حقي، ولا أذكر متى قرأته أول مرة، وفيه تجلت تلك العبقرية العظيمة لواحد مثل يحيى، كان محبا للكتابة، ومجيدا لها، وكل ما كتبه يعد من العلامات.

لقد اكتشفت أن النص الصادر عام 1937 يمكن أن يكون حداثيا ومواكبا، ويقرأ بمتعة حتى في هذه الأيام، البلدة التي تدور فيها الأحداث لا بد أنها تغيرت الآن، وطالتها المدنية كما ذكرت، لكن فن رواية الحدث، وتفاعل وكيل النيابة وأهل البلدة، لا بد أنه سيكون كما هو، لو أن النص كتب الآن.

حضور الريف
وأظن أننا كسبنا كتابا تم إحياؤه في مشروع مجلة الدوحة، وكان في الأصل حيا، فقط تمت دحرجته إلى الواجهة، ليجد من يطالعه من قراء تلك المجلة العريقة. أيضا -وفي السياق الإحيائي نفسه، قرأت كتاب "البوسطجي" للراحل يحيى حقي، ولا أذكر متى قرأته أول مرة، وفيه تجلت تلك العبقرية العظيمة لواحد مثل يحيى، كان محبا للكتابة، ومجيدا لها، وكل ما كتبه يعد من العلامات.

لقد كان الريف المصري في فترة تلك الكتابات، وربما الريف في الوطن العربي كله، محورا مهما في عملية الإبداع، ومسرحا للقص الجميل، وأظن أن مفردات الريف عموما، وروائحه والعادات المترسخة فيه، والبساطة الشديدة لسكانه، أعطته تلك المكانة المهمة.

يضاف إلى ذلك أن مبدعي الأربعينيات والخمسينيات وحتى عهد قريب، كانوا جميعا من الريف، ولدوا ونشؤوا فيه، وما شاهدوا المدن إلا حين ذهبوا لتكملة التعليم، والعمل في الوظائف التي لا تتوفر في القرى عادة، وعاد بعضهم ناضجا، للعمل في التعليم أو الصحة، واستوحى أعمالا مجيدة.

في مقدمته لكتابه "ذكرياتي في البادية"، الذي كتب أواخر خمسينيات القرن الماضي، بوحي من إقامة للعمل في بادية "الكبابيش" في السودان، في أواخر الثلاثينيات، ذكر الكاتب السوداني حسن نجيلة أنه أراد بتدوين تلك الذكريات عن البادية أن يتركها حية ليجدها كل من أراد من الأجيال اللاحقة أن يعرف شيئا عن البادية.

حسن نجيلة أيضا له كتاب آخر مشهور، أتمنى إعادة إحيائه، وتسليط الضوء عليه، هو كتاب "ملامح من المجتمع السوداني"، وفيه المجتمع مدروس بعناية، ومشروح بقلب أديب حقيقي...

وروى نجيلة أنه حين ذهب في زيارة لتلك البادية، التي عمل فيها معلما في المدرسة التي أنشئت، لتعليم العرب الرحل مبادئ القراءة والكتابة، وشاهد سيارات تقف أمام الخيام، وسمع الراديو يلعلع داخل تلك الخيام، أيقن أن موت البادية الحقيقية أضحى وشيكا، وسيأتي يوم يتوقف فيها البدوي عن ركوب الناقة، ويجلس في بيت مبني من الطوب والإسمنت، مثله مثل أي حضري آخر. ولعل ذلك حدث فعلا، فذكريات حسن نجيلة الموجودة في كتابه، هي الصور الحية للبادية كما كانت وكما يجب أن تكون، إن أراد أحد أن يكتبها في نص روائي.

إحياء كتب
كتاب حسن نجيلة مهم أيضا في سياق الكتب الحية، التي بحاجة إلى لكز لتوضع في الواجهة، وأعتقد بأن المعرفة التي فيه تعادل المعرفة التي توجد في كتب ضخمة عن الجغرافيا والتاريخ، وأرى دائما أن الكتب الأدبية أكثر ثراء في نبش المجتمعات من الكتب الأكاديمية، والمبدع يكتب بقلمه وعينيه وحواسه كلها، بينما المؤرخ يكتب بأدوات تعلم أن يكتب بها، ولا يحيد عنها أبدا.

حسن نجيلة أيضا له كتاب آخر مشهور، أتمنى إعادة إحيائه، وتسليط الضوء عليه، هو كتاب "ملامح من المجتمع السوداني"، وفيه المجتمع مدروس بعناية، ومشروح بقلب أديب حقيقي، أورد فيه الكثير من الحقائق التاريخية، مثل ثورة اللواء الأبيض وغيرها، وذلك بقلم جميل ومخيال رائع، يأخذ من الحقيقة، ويبهرها لتصبح سهلة التذوق.

الكتب الحية الرائعة، التي تحتاج إلى ضوء يحييها أكثر، كثيرة جدا في الوطن العربي، ومن المؤسف أننا نلقي كل شيء وراء ظهورنا، فثمة كتب لمعت في وقت ما، والآن لا يمكن العثور عليها، وكتب أخرى أراد كثيرون إعادة طباعتها ولم يستطيعوا بسبب موت أصحابها، وعدم العثور على من ورثهم.

وهكذا، ينبغي أن يكون الكتاب القديم القيم كتابا عاما لا يملكه أحد بالتحديد، ولا يسيطر على شخصيته أحد، حتى ينشر بشكل جيد، ويسهم في ضخ المعرفة المطلوبة في أي وقت.

المصدر : الجزيرة