ميرفت صادق-رام الله

الأجساد الصغيرة الممددة على الطرقات بعد أن نال منها الرصاص الإسرائيلي، أحالها الفنان الفلسطيني جواد ابراهيم إلى فضاء يمزج الحياة والموت، إذ لم يكتف بالجثامين صورةً عادت بقوة للحياة الفلسطينية، بل رسمها بما يكمن فيها من هموم وأحلام.

وتحت عنوان "إيماءات"، يتواصل معرض إبراهيم في بيت مريم بمدينة رام الله إلى غاية السابع من مارس/آذار الجاري، ويضم 18 لوحة تجريدية تعبيرية، رسمها مرهَقا بتفاصيل عن الموت والحياة الفلسطينية في السنة الأخيرة.

وتصدرت لوحة "أشرقت" المعرض وكأنها مفتاح لمعناه، حيث تتمدد تفاصيل لونية كثيرة يعلوها جسد قابض على قلبه. وهي تشير بوضوح للفتاة الفلسطينية "أشرقت قطناني" التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتركها ممددة على الطريق قبل شهرين.

يقول النحت والرسام جواد إبراهيم (1953) الذي أقام سابقا 13 معرضا فرديا داخل فلسطين وخارجها، إنه لم يرَ جسد أشرقت جثة، بل جسدا في قمة انبعاثه، يعلو تفاصيل اللوحة والحياة كلها في إيماءة إلى ولادة الحياة من الموت.

الفنان جواد إبراهيم مع لوحة "أشرقت" في افتتاح معرضه "إيماءات" (الجزيرة)

وفكرة الحياة من الموت هذه تقترب أكثر في لوحة "شهداء آب 2015". تقول الشاعرة والكاتبة مليحة مسلماني "إن اللوحة، وإن كانت توثق لفعل الموت بعنوانها وبجثامين الشهداء الظاهرة فيها، إلا أنها تفصح بلا مراوغة عن فعل حياة: ألوان مشرقة ونسوة اصطففن وكأنهن في وضعية رقص..".

تقول مسلماني -وهي مديرة بيت مريم الذي نظم معارض جماعية وفردية آخرها "إيماءات"-إن معادلة جواد إبراهيم السرية تصّير فعل التشييع إلى إيماءات رقص، وفعل الموت إلى نبض حياة.

ثابت ومتحرك
وهي ترى في لوحاته أجسادا ثابتة ومتحركة، فأما الثبات فلا يشير للسكون بل إلى ثقل السؤال الكامن في قلب هذا الجسد وثقل الألم فيه.. وأما الحركة فتومئ إليها عبر "التحليق أو الرقص أو الحياء أو الحب أو الرغبة".

ومع هذه الأجساد، تقرأ مسلماني مضادات مختلفة كالحنين والاغتراب، والوحدة مع القدرة على نسج علاقة مع شخوص آخرين، وهذا كما تقول "تعبير عن قلق وجودي يعايشه الإنسان والفنان منذ الأزل".

تقول مسلماني إن ثنائية "الموت والحياة" تظهر بقوة في الفن التشكيلي عامة، لكن بشكل أكثر تعقيدا وعمقا فيما يقدمه الفنانون الفلسطينيون منذ إسماعيل شموط وسليمان منصور وجواد إبراهيم، بسبب ما يشهده الفلسطيني من موت يومي في حالة "شبه الحرب الدائمة".

لوحتان من معرض إيماءات (الجزيرة)

وفي هذا الصدد، يقول إبراهيم -الذي شارك في معارض جماعية فلسطينية وعربية ودولية- إن الفنان جزء من منظومة وبيئة اجتماعية، تشكل في نهايتها "حياة إنسان" يعبر عنها بالجسد، وترافقه في اللوحة رموز أخرى كالخط والنقطة.

ويؤكد أن الإبداع يرتكز عند أي فنان على الذاكرة والواقع والخيال، ففي لحظة قد يرسم شيئا من طفولته وفي لحظة أخرى يعكس واقعا يعايشه، أو قد يعكس نفسه وما يخيّل لها.

ورغم نزوعه إلى "التجريدية" في أعماله السابقة، فإن إبراهيم يعتقد أن حضور الأجساد وحركتها في لوحاته الأخيرة يعيد التذكير بأن الإنسان هو مركز الكون، ويبرر حضور المرأة بكونها "أجمل التكوينات الجسدية".

ولم يكتف الفنان الفلسطيني بالألوان في لوحات "إيماءات"، بل طوّع التراب أيضا ليشكل أرضية أو خلفية في لوحتي "حلم" و"امرأة ورجل"، وهو بذلك لا ينفصل عن تجربته المستمرة في فن النحت أيضا.

ويرى الفنان التشكيلي رأفت أسعد في "إيماءات"، امتدادا لمسيرة قديمة من الفن المستمد من تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية بكل مراحلها وشخوصها الرمزية (فلاحون، أجداد..).

أما الناقد عبد الرؤوف شمعون، فيرى أن الأجساد في لوحات إبراهيم "تتحاور بصمت عبر أشكال ذات دلالات رمزية تشدها قسرا نحو إنسانيتها المغيبة، كما تفتح التأويل لبعض الأمل الرومانسي"، ويقرأ هذا من دلالة استخدام رمز الطائر في لوحاته.

ويقول شمعون إن حضور "الجسد في تكوينه المتنوع، في تكوره، وتمدده في كتل مستلقية، منتصبة، يعكس أيضا حنينا لافتا وكامنا لفن النحت لدى جواد إبراهيم".

المصدر : الجزيرة