حاوره: كمال الرياحي-تونس

يمثل الكاتب الجزائري واسيني الأعرج علامة فارقة في الرواية المغاربية، إذ تمكن في السنوات الأخيرة من فرض نفسه في المشهد الروائي العربي بوصفه واحدا من أكثر الروائيين تنوعا.

حول روايته الجديدة "2084 حكاية العربي الأخير"، ومشاريعه في الترجمة وقضايا الإنسان العربي، ومقولة المقاطعة الثقافية والترجمة للعبرية، وآخر خلافاته مع مواطنته أحلام مستغانمي، أجرت معه الجزيرة نت الحوار التالي:

 في روايتك الجديدة "2084 حكاية العربي الأخير" تستدعي نصا شديد السوداوية هو 1984 لجورج أورويل. هل هذه النظرة السوداوية للمستقبل هي التي دفعتك لاستدعاء هذا النص؟

في ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي عز النشوة وانتصار الحلفاء والجميع يحتفل بنهاية الحرب، وفي الوقت الذي بدأت تظهر فيه الآداب المتفائلة، يخرج علينا أورويل بهذا النص المتشائم برؤيته الثاقبة والبعيدة.

أدرك أن الحرب العالمية الثانية ليست كل السواد، إنما القادم أكثر قتامة، وما نهاية الحرب إلا فتح لأبواب تلك العتمة الأشد، سيكون فيها الإنسان مراقبا في كل شيء حتى في حلمه، فتضرب الحرية الفردية، وتحول هذا الإنسان إلى آلة طيعة في يد الدكتاتور أو القوة القاهرة.

وهذه قوة هذا النص الذي يتحدى الواقع ويعارضه، ووجّه لهذه الرواية نقد لاذع، ولكننا اليوم وبعد كل هذه السنوات نكتشف أن جورج أورويل كان على حق، وأنه كان يرى جيدا ما لم يلحظه معاصروه.

"اليأس يولد كل التطرفات ويولد الخوف من كل شيء"، عبارة وردت في كتابك. هل أنت يائس تماما؟

لا، في ظل هذه الانهيارات التي يعيشها المشهد العربي، حتى أننا لم نعد نرى المستقبل ولم نعد نخافه أو نخاف عليه، وهذا ما أفرز هؤلاء الشباب اليائسين الذين يلتحقون بالجماعات الإرهابية بقناعة أنهم خسروا الدنيا تماما وخسروا كل شيء، ولم يبق أمامهم إلا ضمان حرية في الآخرة. صحيح الرواية سوداوية لكن فيها قراءة موضوعية للواقع وأحيانا تصل إلى مرحلة أن تكون مضادة لتفاؤلك الداخلي.

 هل حانت مرحلة العلاج بالصدمة والصعقة؟

نعم، إن هذه المرحلة من الانحطاط التي نعيشها تحتاج نصوصا تؤلم بواقعيتها أو بمجاورتها الواقع، تضعنا وجها لوجه أمام ما لا نريد أن نراه من أنفسنا.

الدكتاتوريات كما تقول في روايتك أدت دورها ورحلت، فهل تخلى الغرب عن الدكتاتور لأنه تمرد عليه أم لأنه أنهى دوره وأصبح باليا؟

نعم، قامت بأدوارها حتى وصلت إلى سقف الدكتاتورية، فجاءت ثورات عارمة أطاحت ببعضها. وهذا الغرب الذي تخلى عنها لم يسمح أيضا للثورات بأن تنمو بشكل منظم. الديكتاتور العربي لم يتمرد يوما على الغرب الذي نصبه أو حماه. ولك مثال على ما قامت به فرنسا في بداية الثورة التونسية عندما اقترحت على بن علي أسلحة لمواجهة المتظاهرين. لم يرتق الدكتاتور يوما إلى مرتبة العدو.

تنقلنا هذه العبارة إلى نافذة مجاورة؛ وأعمالك تترجم إلى الدانماركية والعبرية، هل هناك لغة عدوة؟

لا، في اللحظة التي أستعدي لغة فأنا دخلت في ممارسة العنصرية، العنصرية اللغوية، كل لغة يمكن أن تحمل الشر كما يمكن أن تحمل الخير واللغة العبرية مثل اللغة الفرنسية فاللغة في حد ذاتها لا تحمل محمولا قيميا في حد ذاتها، أو مواقفي من محمولات اللغة.

 أنت لست مع المقاطعة الثقافية إذا؟ وتراها سلاحا باليا؟

أنت تقاطع ماذا ومن؟ هل تقاطع المؤسسات الإسرائيلية أم تقاطع فلسطين؟ إذا كنت تقصد المؤسسات الصهيونية الإسرائيلية أقول نعم أقاطع، ولكن المقاطعة لا تعني ألا تبذل جهدا لفهمه أيضا. هم يعرفوننا حتى كيف نتنفس، أما أن نحرم أنفسنا من الذهاب إلى فلسطين، ونحن نعلم حاجة الفلسطينيين في الداخل إلى الكاتب والفنان العربي، لأننا مضطرين للمرور بالمؤسسات الإسرائيلية فهذا غير مقبول، لأن تلك الأمور فقط من الإكراهات، إكراهات احتلالية.

هل ذنب الفلسطينيين في الداخل أنهم بقوا على أرضهم؟

بالضبط، وهذا ما قاله لي الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) عندما استقبلني وسألته عن هذا التمزق الفلسطيني بين غزة ورام الله، فقال إن الفلسطينيين ارتكبوا خطأ في 48 عندما تركوا الأرض وخرجوا، هذه المرة لن يغادر فلسطيني واحد خارج فلسطين، وإذا كانت للإسرائيليين هذه الطائرات والأسلحة فليبيدونا وسنضع الضمير الإنساني أمام مسؤولياته.

في حفلات التوقيع التي قمت بها في فلسطين هل وجدت من يحتج على ترجمتك للعبرية مثلا؟

على العكس، الشباب الفلسطيني الذي التقيته كان شبابا يعي جيدا واقعه المعقد، فالمترجمون إما فلسطينيون مثل ريم غنايم أو متعاطفون مع القضية الفلسطينية، ولذلك فعلينا أن نقف مع هؤلاء ونثبت لهم أن هذه الأعمال العربية شكل من أشكال المساندة.

الكاتبة أحلام مستغانمي كانت قبل أسابيع موضوع جدل على خلفية انتقاد من الكاتب المصري محمود الغيطاني (ناشطون)

 لماذا تتهمك أحلام مستغانمي بأنك أفشيت سر ترجمة روايتها "ذاكرة الجسد" للعبرية عندما تحدث عنها الصحفي والكاتب محمود الغيطاني؟

هذا كلام سخيف مردود عليها، لأنه غير صحيح، وهي كانت في محاورة مع دار النشر الإسرائيلية ومع المترجمة التي صودف أنها هي نفسها التي ترجمت روايتي "سيدة المقام".

لكن المشكلة ليست هنا، على أحلام أن توضح موقفها: إما أنت ضد الترجمة إلى العبرية وهذا موقف يتبناه البعض ونحترمه، أو تواجه مقال الغيطاني وتتحدث عن هذه القناعة، لكن أن تترجم في السر وتتحصل على حقوقك في السر، ثم تختلق مشاكل جانبية وتتحدث عن خيانة أسرار فهذا مضحك؛ ترجمة عمل أدبي إلى لغة أخرى ليس نشاطا سريا.

 تنشغل بترجمة "دون كيشوت" لسيرفانتس، فما الذي ستضيفه هذه الترجمة الجديدة للترجمات السابقة؟

الترجمات العربية الثلاث كلها تعاني من مشاكل؛ إما لأنها جاءت عن لغات وسيطة، الإنجليزية أو الفرنسية، ولم تذهب إلى اللغة الإسبانية مباشرة، أو لأنها لم تفهم مناخات وعوالم وأسلوب سيرفانتس، ولم تراع هذه الترجمات طبيعة اللغة الشعبية التي كتبت بها الرواية، فأنت في دون كيشوت.


 أمام شخصيات شعبية -كهذه- بأحلام غير واقعية كيف يمكن ترجمتها إلى لغة راقية؟

أترجم دون كيشوت إلى لغة أشبه بلغة ألف ليلة وليلة لكي تصبح محبوبة، فكثير ممن قرأها في هذه الترجمات لم تحدث بينهم وبينه تلك الألفة الضرورية، وبعضهم استغرب شهرته وشعبيته، وهذه مشكلة.

 سرفانتس رد على أدب الفروسية وسخر منه لكنه رد عليه بأدب الفروسية نفسه وهذه عبقريته؟

بالضبط، علينا أن نعيد دون كيشوت إلى طبيعته كنص حكائي شعبي، نعيد له لغته اليومية ولغة المغامرات، وهذا ما أقوم به الآن ومنذ ثلاث سنوات، وأطمح إلى أن أنهي العمل آخر هذه السنة.

هل من ضرورة اليوم لقراءة دون كيشوت عربيا، هذه الرواية التي فتحت مرحلة الحداثة والرواية الحديثة ونحن نعيش مرحلة مظلمة من تاريخنا العربي؟

تماما، فهذا الكتاب الساخر واللاذع كتب في عصر الظلمات؛ محاكم التفتيش المقدس التي كانت تحاسب الكاتب على التنفس، والتي لم يفلت منها هو شخصيا، فبعد نجاته من الأسر بالجزائر طلب منه أن يثبت نقاوة الدم من الشبهة الإسلامية أو اليهودية، وأن يأتي بوثيقة تثبت أنه من سلالة كاثوليكية.

 نتحدث دائما عن دون كيشوت ونهمل رفيق دربه سانشو بينصا، فأي الشخصيتين أقرب للمثقف العربي اليوم؟

المثقف العربي اليوم أقرب إلى سانشو، ذلك الذي "يعقلن" كل شيء، ولكنه "يعقلن" كل شيء في مناخ غير عقلاني؛ فما ينقص المثقف العربي هو القدرة على التخييل، فلو كانت له تلك القدرة لهزم الدكتاتور لأن الدكتاتور يخاف الخيال.

المصدر : الجزيرة