*سعيد يقطين

كنا نسمع، ونحن صغار، فتوة الحي حين يتشاجرون فيما بينهم، تصريح أحدهم لاعنا ساخطا محذرا خصمه بقوله بأنه "سيُخرجه في الجريدة". وليس لهذا التعبير من معنى سوى أنه سيجعله "حديث الأحاديث"، حتى إن الجرائد ستتناول خبره.

وكان نشر خبر تعزية أو تهنئة في إحدى الجرائد اليومية حدثا مشهودا. وكل من نُشر له مقال يظل حاملا الجريدة في يده، ويدور في الأزقة مبرزا إياه لكل من يعرف من الناس، وكل من يطلع على اسمه في الجريدة، لا يمكنه إلا أن يقابل صاحبه بإكبار وتمجيد. وحين كان يراني بعض الأقارب في البادية أو المدينة على الشاشة، أو يسمعني في المذياع بات يتوهم أني من أصحاب الحل والعقد في الرباط، وأني بكلمة، بل بإشارة مني، يمكن أن أحل كل مشاكلهم المستعصية والدائمة...

ودار الزمن دورته السريعة، فما أصبح أحد يفكر في إخراج أحد في الجريدة، أو أن من يظهر في التلفاز له سلطة، إذ صار بإمكان كل مواطن أن يجعل صوره وكتاباته على مرأى ومسمع من الجميع، بل أن يشرك زملاءه مسموعاته ومشاهداته، منتظرا تعليقاتهم وآراءهم. ومع الهواتف الذكية، أمسى بالإمكان تحقيق التواصل والتفاعل مع أي كان.

فعلا، مع الشبكات الاجتماعية الرقمية صرنا أمام تحول كبير في العلاقات الاجتماعية بين الناس. ففيسبوك أحدث ثورة حقيقية على المستوى العالمي. وهو إلى جانب تويتر، وغيره من الشبكات الاجتماعية، صار من الأدوات الأساسية التي لا مندوحة لأحد عن استخدامها للتعرف على ما يجري من حوله، ولاسيما محيطه الخاص.

فضاء للتعبير
كانت الفضاءات الهامشية: الدفاتر، الجدران، المراحيض، خلفيات الشاحنات.. تستعمل للتعبير عن هموم أو مشاغل بلغة لا تخلو من عنف. وكانت هذه الفضاءات ملاذا خاصا لمن لا يجد من يستمع إليه، أو مجالا لتفجير أهوائه ومكبوتاته، أو مواقفه السياسية الرافضة.

من الظواهر اللافتة للانتباه، والتي تستدعي الرصد والتحليل أن فيسبوك وتويتر توزعا على خريطة الوطن العربي. ففي المشرق، ولاسيما دول الخليج، نجد الاهتمام الأكبر بتويتر، في حين نجد الأقطار المغاربية تعنى أكثر بفيسبوك

وأثارت الظاهرة بعض علماء الاجتماع فكتبوا عن الخربشات أو "الغرافيتي" وبحثوا في دلالاتها وأبعادها. كان مُوظِّفو هذه الفضاءات يستخدمونها سرا وبعيدا عن أعين الرقباء. لكن فيسبوك، وهو ليس سوى "جدار" مفترض ومكشوف ومفتوح، يتيح لأي كان فتح حساب ليقيم له جدارا معترفا به يقدم فيه نفسه إلى الآخرين، بهدف تحقيق التواصل والتفاعل.

منذ تأسيسه ظل فيسبوك يستقطب الاهتمام ويتزايد عدد مستخدميه عبر العالم حتى صاروا أكثر من مليار. ورغم كل ما يقال عنه والآثار العظيمة التي خلفها في حياة الناس، فإنه يعتبر من أهم الشبكات الاجتماعية الرقمية لما تتيحه منصته المتعددة الوظائف من إمكانيات تقل في غيره.

ولعل الأدباء والكتاب والفنانين من بين من يستفيد من خدماته في تقديم أعمالهم والتعريف بها، وتلقي ردود الأفعال حولها، رغم أنهم لا يمثلون سوى فئة قليلة داخل هذا الفضاء الافتراضي.

من الظواهر اللافتة للانتباه، والتي تستدعي الرصد والتحليل، أن فيسبوك وتويتر توزعا على خريطة الوطن العربي. ففي المشرق، ولاسيما دول الخليج، نجد الاهتمام الأكبر بتويتر، في حين نجد الأقطار المغاربية تعنى أكثر بفيسبوك. ولقد وقفت على هذا بجلاء عند مقارنتي بين السعودية والمغرب.

غير أن استخدام الكتاب العرب لتويتر وفيسبوك لا يتجاوز التعبير عن أفكارهم، أو للترويج لأعمالهم، أو إعادة نشرها، أو تقديم جديد أخبارهم وأعمالهم، ولم يتحول هذا الفضاء لديهم إلى مجال للإبداع ونقده. وحتى عندما ينشر أحدهم قصيدة، يكون التعامل معها تعاملهم مع خبر عادي، فيكون التعليق والإعجاب والمشاركة.

إنها خدمات مهمة تبين بالملموس أن فيسبوك صار فعلا أداة أساسية للتعريف والتعارف والتواصل. لكن أهمية هذا العمل التواصلي الذي عجزت عن تقديمه وسائل الإعلام التقليدية المكتوبة والمرئية، دفعت الكثيرين إلى استغلال الشبكات الاجتماعية الرقمية وجعلها أحيانا بديلا عن غيرها.

لكن الوقوف على هذا الأمر، رغم أهميته القصوى، للأسف حال دون التفكير العربي في تطوير فيسبوك أو خلق نوافذ لشبكات مماثلة وبمقاصد مختلفة يتفجر فيها الخيال الإبداعي. لقد أحدث فيسبوك مثلا منصة أسماها "قصص فيسبوك" (facebookstories) جعلها خالصة لمن يود عرض "قصته" مع فيسبوك، وكيف كانت هذه الواجهة سببا لنجاحه. والحقيقة أن "قصصا" كثيرة للفشل كان وراءها فيسبوك، وهو طبعا ليس مسؤولا عنها.

أردت من هذا المثال أن أبين كيف أن إمكانيات خلق بوابات ومنصات عربية للإبداع متوفرة، وأن الاكتفاء بالمواقع الشخصية أو المؤسساتية لا تكفي. إن البوابات العربية المركزية منعدمة في الفضاء الشبكي. ومن دون تشجيع المبادرات، وتحفيز الشباب على العمل الجماعي لإنتاج برمجيات، أو مواقع من هذا النوع لا يمكننا الارتقاء إلى ما يفرضه العصر الرقمي.

ولعل الشباب الذين ينخرطون في هذه التكنولوجيا يتحملون قسطا من المسؤولية. وعندما نتعرف على من ساهم في إنتاج ياهو وفيسبوك... وكيف تولدت، لدى طلبة في الجامعة، المشاريع العملاقة من أفكار بسيطة، يتبين لنا الفرق من يفكر ويبدع، ومن ينتظر الدعم العملاق لينجز أعمالا بسيطة. إن عندنا طاقات لا بأس بها، وقراصنة هذا الفضاء خير دليل على ذلك. ولو تم توجيههم الوجهة الملائمة لأبدعوا وتفتق خيالهم عما هو ممكن التحقق.

إن الذهنية الأدواتية هي ما يتحكم في تصورنا وممارستنا للفضاء الرقمي ولذلك يقتصر تعاملنا معها على المستوى الثقافي والإبداعي على اعتبارها "واجهة" لتصريف ما هو "جاهز" لدينا. ولعل مبرر ذلك يكمن في غياب فضاءات واقعية للتواصل والتفاعل، أو غياب تقاليد الاعتراف بالآخر، وتقدير أعماله.

وعي وأدوار
وكل ذلك يسهم في جعل تواصلنا لا ينبني على تواصل، وتفاعل ينبئ عن غيابه. وفي هذا أكثر من دليل على أن الذهنية ما قبل الرقمية لا تزال تتحكم في ممارساتنا، فلم تعمل هذه الشبكات الاجتماعية الرقمية على جعلنا نرتقي إلى مستوى ما تقدمه من إمكانات وتتيحه من ممكنات. وعكس هذا ما يمكننا تبينه حين ندخل الشبكات الأجنبية.

إن الذهنية الأدواتية هي ما يتحكم في تصورنا وممارستنا للفضاء الرقمي ولذلك يقتصر تعاملنا معها على المستوى الثقافي والإبداعي على اعتبارها "واجهة" لتصريف ما هو "جاهز" لدينا.

آيات عدم الارتقاء إلى وعي جديد بأدوار الشبكات الاجتماعية الرقمية لا حصر لها. فقلة الاحترام، واستخدام الفظاظة، وعدم تحمل الرأي المختلف، وتقصد الإساءة إلى الآخر، و"سخسخته" أو "بهدلته" من بين ظواهر سلبية كثيرة يمكن رصدها في هذا الفضاء الافتراضي.

ويدفعنا هذا إلى افتراض أن "ذهنية" الخربشات على الجدران لا تزال تتحكم في العديد منا. ولعل استخدام فيسبوك بالعربية لعبارة "الإعجاب"، بدل "أحب" في الفرنسية والإنجليزية خير دليل على تلك الذهنية، حتى إن مستخدمي الواجهات الأجنبية فيسبوك، من العرب، يُحمِّلون عبارة "أحب" كل معاني "الإعجاب" ودلالاته.

كلمة "الإعجاب" في حساسيتي اللغوية تحمل معنى الحيرة، بدل المحبة أو الحب. وكثيرا ما تصاحب كلمة "إعجاب" حين نلفظها حركات الرأس والوجه الدالة على التردد والحيرة وعدم الحسم. وجذر "عجب" واضح: فمعنى العُجب، والعَجب والتعجب يميل أكثر ليس نحو التقدير والاحترام، ولكن نحو التساؤل الممزوج بالشك.

صحيح نجد الكثير من المستخدمين العرب يعبرون عن الحب الصادق، وتلمس ذلك في المشاركة والتعليقات. ولكني بوجه عام، أحس أن مصدر الإعجاب محمل بكل الدلالات التي أومأت إليه. ولذلك كان أقرب إلى "غياب الحب"، وكل ما يتولد عنه من سوء تقدير الآخر واحترام أفكاره.

أما عبارة "أحب"، فهي تبنى على قبول الآخر رغم الاختلاف عنه. إننا بالحب نميز بين التقدير للشخص، والاختلاف معه في الرأي. ألا ترى أن الأب يحب أبناءه، ولكنه قد يختلف معهم جذريا. وقس على ذلك. حين قال فولتير: إني أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد للدفاع عن رأيك، كان بذلك يعبر عن الحب. حب الإنسان الذي يجتهد ويفكر ويبدع وله رأي.

بالنسبة إلينا، لا نزال نعجب ونتعجب ونستعجب. وقلما نحب. عندما يحب أحدنا لنفسه ما يحب لغيره، فتلك بداية تحول ذهنيتنا وتصوراتنا وقناعاتنا. وعندما نصبح قادرين على حب الآخر رغم اختلافنا معه، فتلك بداية قدرتنا على التواصل والتفاعل. وبذلك يمكننا أن نجعل الشبكات الاجتماعية الرقمية فضاءات للإبداع وتفتق الخيال الذي يخدم الإنسان أيا كان.

لنجعل هذا الفضاء فضاء للحب، يوطّد العلاقات، ويقوي الروابط، ويعزز التعارف والتعرف، في مرحلة، وفي أخرى يصبح فضاء لإنتاج المعرفة.
_____________
*ناقد وأكاديمي مغربي

المصدر : الجزيرة