مروان الجبوري-بغداد

لم تحظ الرواية في العراق بما حظي به الشعر من ذيوع وانتشار، ربما لكون العراق أحد المواطن التي تجذر فيها الشعر العربي قديما، بالإضافة للقيود السياسية والأيديولوجية التي كانت تكبل نتاجات الروائيين في الماضي.

لكن زلزال 2003 وما تبعه أحدث تحولات كبيرة في المشهد الثقافي المحلي، وانفتاحا أكبر على التجارب العربية والعالمية، وهو ما كان مؤذنا بميلاد جيل من الروائيين كانوا أكثر جرأة في التعاطي مع مفردات الواقع العراقي وتعقيداته، عبر أعمال كثيرة نال بعضها جوائز عربية وعالمية.

وتبرز قضية الاحتلال الأميركي في مقدمة الإشكالات التي تصدى لها هؤلاء الروائيون، لأن الغزو وما أحدثه من انقسامات اجتماعية وسياسية ومذهبية قدم مادة خصبة يستقي منها هؤلاء الكتاب قصصهم، وهو ما دفع البعض لتناوله روائيا عبر عدة أعمال كانت من بينها رواية "ذكريات معتقة باليوريا" للكاتب علي عبد الرحمن الحديثي، التي تتحدث عما يدور في معتقلات أبي غريب وبوكا الأميركية.

ويقول الحديثي للجزيرة نت إن الواقع العراقي لم يأخذ حقه بعد بما يكفي في أعمال الروائيين الشباب، رغم العديد من الأعمال المهمة، مضيفا أن أحد أهم أسباب عدم انتشار الرواية العراقية مقارنة بمثيلاتها العربية يعود إلى ضبابية الواقع المحلي التي جعلت الكاتب العراقي يقف في حيرة أمام فوضى عارمة في كل شيء، إذ لا يمكن لشخص أن يصف وجها لا ملامح له، على حد تعبيره، فضلا عن أن المثقف العراقي محمل بإرث من الصمت يمتد إلى عشرات السنين، لم يكن باستطاعته أن يكتب عنه حينها، لكنه انفجر اليوم ليعبر عنه في شكل روائي.

تتصدر الروايات المبيعات في سوق الكتب بالعراق (الجزيرة)

مقارنات بين الأجيال
ويبدو ثراء الواقع الجديد بالقصص والأحداث أحد أسباب بروز الرواية العراقية في السنوات الأخيرة، وبالرغم من إنجازات الرواد الأوائل فإن ثمة اختلافات بين جيلي ما قبل 2003 وما بعدها كما يرى الروائي عامر العيثاوي.

يقول العيثاوي إن الموضوعات التي كانت تعالجها روايات فؤاد التكرلي وجبرا إبراهيم جبرا وعبد الستار ناصر وغيرهم، كانت القضايا السياسية والاجتماعية والثورات والانقلابات العسكرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتمخضات الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك حفلت روايات تلك الحقبة بأعمال رمزية اعتمدت التاريخ والميثولوجيا.

أما روايات 2003 فمادتها هي التحولات العنيفة التي مرت بالمجتمع العراقي بعد الاحتلال الأميركي، وما تركته من معضلات وقضايا شائكة لا تزال تعمل في النسيج العراقي، كانتشار العنف والتهجير الطائفي والغربة عن الوطن، كما في روايتي "طشاري" لإنعام كجه جي و"فرانكشتاين في بغداد" لأحمد السعداوي.

ويرى العيثاوي أن قضية الرقابة الصارمة وعدم الاقتراب من موضوعات تمس النظام السياسي أو تناول الإشكالات القومية والطائفية، دفعت الكثير من الأدباء في السابق للكتابة بأسلوب رمزي، مضيفا أن كثيرا من الكتاب اليوم أصبحوا يمزجون بين واقعية أميركا اللاتينية السحرية والفنتازيا، مستفيدين من فنون الرواية الحديثة المختلفة.

يتعاظم تأثير الشباب في الحياة الثقافية العراقية مستفيدين من مناخ الحرية النسبية (الجزيرة)

كتابة متطورة
وقد أسهمت تجربة اغتراب عدد من هؤلاء الروائيين في ولادة أعمال أحدثت صدى قويا في الساحة الثقافية، كما تقول الناقدة الأدبية نورس كوجر، حيث فاز بعضها بجوائز عربية وعالمية، مثل "فرانكشتاين في بغداد" و"الفتيت المبعثر" و"دوامات الرحيل" وغيرها. ورغم تنائي المسافات بين هؤلاء الروائيين ووطنهم، فإنهم نقلوا الكثير من تفاصيل الحياة في العراق، وهو ما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في جعله أمرا متاحا.

وتشير كوجر إلى أن أسماء مثل علي بدر ومحسن الرملي وسنان أنطون وغيرهم، ساهموا في بناء رواية عراقية "جديدة"، معتمدين أسلوبا حداثيا من حيث تسلسل الأفكار والسرد المشوق والتلاعب بالعبارات والألفاظ واستخدام فن التناص، وغيره من فنون السرد الأدبي.

ورغم أهمية ما قدمه رواد الرواية العراقية الأوائل كما تقول كوجر، فإن ثمة فوارق كبيرة بين أسلوبهم الأدبي وما يُكتب اليوم، ويظهر الفرق واضحا لصالح "الرواية الجديدة" في التقنية وسلاسة الحوار والتنقل بين الحاضر والماضي، بالإضافة إلى التعامل مع ثالوث "الدين والسياسة والجنس"، على حد قولها.

المصدر : الجزيرة