هيثم حسين

الدقيقة الأولى للغزو الأميركي للعراق تكون محط اشتغال العراقي سنان أنطون في روايته الجديدة "فهرس" التي يحاول أن يوثق فيها ذاكرة عراقيين والتغيرات التي اجتاحت مدينة بغداد عقب إسقاط النظام والاحتلال الأميركي لها، والتضارب في ردود الأفعال إزاء ما حدث، بين مؤيد ومعارض، في داخل العراق وخارجه.

سنان أنطون ولد ببغداد في 1967، يعمل أستاذا للأدب العربي بجامعة نيويورك منذ 2005، أصدر في مجال الرواية "إعجام" و"وحدها شجرة الرمان" و"يا مريم"، كما نشر مجموعتين شعريتين. ترجمت أعماله لعدة لغات، واختيرت روايته "يا مريم" في القائمة القصيرة "للبوكر العربية" في دورة 2013.

الزمن هو أحد أبطال "فهرس" اللامرئيين، يترك آثاره على كل التفاصيل، يساهم في ترسيم الحدود بين الكتب والحياة، بين الرواية وأبطالها، بين الرواة أنفسهم وهم يناقشون جوهر الزمن، ويمضي عبره الروائي في نبش تاريخ البلاد، مستعيدا أزمنة كان فيها مصدر قوة وفخر.

بطل الرواية نمير البغدادي، أكاديمي عراقي يعيش بأميركا، يتماهى في بعض التفاصيل مع شخصية الروائي نفسه، يرافق كمترجم فريقا سينمائيا أميركيا لصنع فيلم عن واقع بلده وأحوال الناس فيه، يقصد مطارح ذكرياته في بغداد، يزور معالمها البارزة، يتوقف في شارع المتنبي الشهير، يتعرف هناك إلى الكتبي ودود الذي يخبره أنه يفهرس تفاصيل الدقيقة الأولى للحرب، وكيف كان تأثيرها على الناس والبلد، فتلفته الفكرة ويشاركه همه وعمله عن بعد.

تبدو شخصيات أنطون مسكونة بقلق يبدد هدوءها، ويثير كثيرا من الأسئلة عن أحوالها حيثما تكون، وكيف أن الذي بقي في بلاده فقد تواصله مع الآخرين وبات رهين غربة مضاعفة مثله مثل المهاجر واللاجئ الذي عاش غربته وحنينه إلى بلده بمرارة مؤلمة.

سنان أنطون: سياق الرواية هو الحرب وما تلحقه من خراب بالمكان والأشياء (الجزيرة)

أسئلة وتجريب
يكون التجريب سمة الرواية الأبرز، يعتمد أنطون على المسودة التي يعطيها الراوي ودود لراويه الآخر "نمير"، ليبني روايته على أساسها، وتكون الرواية مركبة بصيغة القطع القصيرة التي تترابط فيما بينها بخيوط مفترضة، بنيانها الرئيسي المكان وتداعياته، والمهجر وتأثيراته، والجسور التي تجمع الراويين في عراق متخيل وآخر حقيقي غارق في العنف.

يصل التجريب بأنطون إلى محاولة استدراج القارئ وإشراكه في اختيار نهاية من النهايات المقترحة للرواية، تراه يرسم عدة سيناريوهات للنهاية، ويقف عند كل واحد منها، وكأنه يعيد تركيب حياة أبطاله بطريقة يصحح بها أخطاء الحياة التي اقترفوها أو تورطوا فيها أو دفعتهم إليها أقدارهم، وارتسمت وفقها مصائرهم.

لعل بالإمكان إدراج "فهرس" ضمن مسمى الروايات المثقفة، تلك التي تكون معظم شخصياتها مسكونة بهموم ثقافية، وتطرح أسئلة وقضايا فكرية وفلسفية ووجودية، أبطالها أكاديميون وأدباء وشعراء ومثقفون، مع الإشارة إلى عوالم القاع وتداعيات الحرب والحصار الفظيعة على العراقيين في بلادهم ومهاجرهم.

يربط صاحب "إعجام" بين مسودات رواته بطريقة الحبكة المتناثرة، يهمش الحبكة الرئيسية لصالح الحكايات القصيرة الفرعية التي تتصدر المشاهد والفصول، ويقحم مقاطع شعرية تراثية ومعاصرة بين ثنايا الفصول، ناهيك عن اعتماد صيغة رواية داخل رواية، أو بناء رواية على مخطوط أو مسودة مفترضة، وهي صيغة باتت مستعادة في الفن الروائي الحديث.

سنان أنطون:
بعض تفاصيل حياتي الشخصية تشبه تفاصيل في شخصية نمير الذي يعيش في نيويورك.. لكننا نفترق أيضا ونختلف، ومن الأفضل التركيز على نمير لأنه أهم!".

تقاطع ذاكرتين
في تصريح خاص للجزيرة نت يقول الروائي سنان أنطون عن اشتغاله على التوثيق للذاكرة العراقية إنه "مهموم بذاكرة الضحايا والمهمشين وباستنطاق أولئك الذين تمحوهم سردية المنتصر وتحاول دفن أصواتهم في تراب النسيان".

وعن سياق روايته الجديدة، يقول إنه يعود إلى ذات المنطقة محملا بهموم وأسئلة إضافية وفي سياق مختلف بعض الشيء، ويوضح الموقف بالقول "إذا كانت سلطة الدولة الشمولية واحتكارها للمعنى وحتى الخيال واللغة هي السياق في "إعجام"، فإن السياق في "فهرس" هو الحرب والخراب الذي تلحقه لا بذاكرة البشر فحسب، بل بذاكرة المكان والأشياء".

ويصف أنطون روايته بأنها تقاطع ذاكرتين ومحاولة محكوم عليها بالفشل من البداية لقول ما لا يقال. وبالإشارة إلى الجانب السيريّ فيها يقول "بعض تفاصيل حياتي الشخصية تشبه تفاصيل في شخصية نمير الذي يعيش في نيويورك ويدرس في الجامعة مثلي وهو أيضا كان قد عاد إلى العراق في صيف ٢٠٠٣ بعد أشهر من الاحتلال ليساهم في تصوير وإخراج فيلم وثائقي عن بغداد. لكننا نفترق أيضا ونختلف، ومن الأفضل التركيز على نمير لأنه أهم!".

المصدر : الجزيرة