في الحلقة الـ23 من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي"، يتأسف الكاتب التونسي حسونة المصباحي لأحوال الثقافة العربية ويقول إنها في الزمن الراهن تعيش ترديا مخيفا، خاصة مع تكاثر "المافيات" التي أصبحت تحتل المواقع الهامة في المشهد الثقافي وتنشر أشكالا مفزعة من الفساد.

ويتساءل المصباحي (القيروان/1950)، الذي عاش لفترة طويلة في المنفى الاختياري بألمانيا، عن دور الثقافة ومساهمتها في الدفع نحو التغيير الحقيقي، في حين يعيش أغلب المثقفين والمبدعين والفنانين مشتتين في المنافي.

وتعليقا على ما يسمى الربيع العربي، لا يتردد المصباحي، وهو مؤلف عدد من الروايات والمجموعات القصصية، في المجاهرة بعدم موافقته على التسمية، ويقول إنها من ابتكار إعلاميين غربيين ويذهب إلى القول إن كثيرا من المثقفين في تونس كانوا مخطئين وواهمين حيث كانوا يتوقعون أن "ثورة الياسمين" سوف تحقق أهدافها السامية. في ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

  أولا وقبل كل شيء، أنا لا أوافق على عبارة "ربيع عربي" لأنها من ابتكار إعلاميين غربيين توهموا أن الانتفاضات التي اندلعت في تونس في نهايات عام 2010، وبدايات 2011 في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا سوف تحقق لشعوب هذه البلدان الديمقراطية والكرامة والعدالة التي تطمح إليها.

سرعان ما تبين أن كل ذلك كان سرابا وأوهاما وأكاذيب، لكن لا بد من الإقرار بأن الأوضاع في البلدان المذكورة كانت سيئة للغاية، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكان حكامها متمسكين بالسلطة، رافضين التخلي عنها، وفاعلين كل ما بوسعهم من تزوير ومن ألاعيب تنتهك الدستور والقوانين للاحتفاظ بها إلى أجل غير مسمى.

كانت هذه البلدان تعيش اختناقا مفزعا ينذر بالانفجار، شخصيا لم أكن أتصور أن الانفجار سيتم في تونس بمثل تلك السرعة الفائقة وبمثل تلك القوة والعنف، حيث تمكنت الانتفاضة التي اندلعت في سيدي بوزيد في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، ثم امتدت لجميع مناطق البلاد من الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في ظرف اسبوعين فقط. ومعنى هذا أن النظام الذي كان يبدو قويا كان في الحقيقة هشا، ومن دون قدرة على الصمود أمام العواصف والانتفاضات الشعبية.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا في ذلك الربيع؟

   ثمة أعمال كثيرة في الرواية والشعر والنقد والبحوث والدراسات الاجتماعية، وأيضا في السينما وفي المسرح وفي مجالات فنية أخرى قد تكون ساهمت بطريقة ما في تشكيل الوعي بالأوضاع، وفي انتقاد الأنظمة القائمة، غير أن هذه الأعمال قليلة وتأثيرها مقتصر على النخب. لذلك أستغرب ادعاء البعض من الكتاب والشعراء الذين ركبوا موجة الانتفاضات ونصبوا أوصياء عليها ومهيئين لها في أعمالهم.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

   أعتقد أن كثيرا من المثقفين في تونس كانوا مخطئين وواهمين حين كانوا يتوقعون أن "ثورة الكرامة والحرية" أو "ثورة الياسمين" سوف تحقق الأهداف السامية التي قامت من أجلها. لذلك خرجوا إلى الشوارع عند سقوط نظام بن علي رافعين شعار "لا خوف بعد اليوم".

غير أن الواقع سرعان ما خيب آمالهم، فقد برزت في المشهد السياسي قوى معادية للحرية والكرامة، وراحت تعمل على الارتداد بالمجتمع إلى الوراء، وعلى ضرب ونسف ما كان قد تحقق من إنجازات إيجابية في المرحلة التي تلت استقلال البلاد عام 1956.

المجتمعات العربية تعيش منذ قرون طويلة أحوالا رهيبة من الاستبداد والعنف والقهر والظلم، لذا ليس من السهل عليها أن تتخلص من هذا الموروث الثقيل

كما أن هذه القوى عملت على زرع الفتن، وعلى إشعال النزاعات التي من شأنها تفتيت الوحدة الوطنية، وأمام بروز هذه الظواهر الخطيرة لم يتمكن المثقفون الذين صفقوا للثورة من إيجاد الوسائل الكفيلة بمواجهتها، والحد من مخاطرها، وظلوا يتذمرون ويشتكون في حين كانت هذه القوى تواصل أعمالها التخريبية.

وثمة مثقفون كانوا من أنصار النظام المنهار، ومن أكثر المستفيدين منه، انقلبوا عليه ناسبين لأنفسهم "بطولات ثورية". غير أن أمرهم سرعان ما انكشف، ومع ذلك لا يزالون مستمرين بالزعيق والنعيق من دون حياء!

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

منذ البداية، أبديت شكوكي في ما سمي في تونس "ثورة الكرامة والحرية" أو "ثورة الياسمين". وقد عبرت عن ذلك في المقدمة التي خصصتها لكتابي "أشواك وياسمين" الذي صدر في ربيع عام 2015. وربما يعود ذلك إلى معرفتي الجيدة بتاريخ بلادي، وبالقوى التي برزت في المشهد السياسي بعد انهيار نظام بن علي.

فجل هذه القوى والأحزاب تفتقر إلى برامج مقنعة وواضحة وإلى فهم للدولة وإدراك عميق لمعطيات الواقع. لذلك راحت تخبط خبط عشواء، مطلقة الوعود والشعارات الفارغة، ومنتهجة سياسة الانتقام والتشفي وبث الانقسامات القاتلة بين أبناء الشعب التونسي.

وثمة قوى استغلت الدين لخدمة مصالحها الخاصة، لذلك شهدت ولا تزال البلاد تشهد أزمات متتالية من دون أن تتمكن أي من القوى التي أفرزتها "ثورة الكرامة والحرية" من إيجاد حلول لها. وما أظنها ستكون قادرة على ذلك لا في المستقبل القريب ولا في المستقبل البعيد.

إلى أي مدى -متوسط أو بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي -حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية- ستتحقق على أرض الواقع؟

المجتمعات العربية تعيش منذ قرون طويلة أحوالا رهيبة من الاستبداد والعنف والقهر والظلم، لذا ليس من السهل عليها أن تتخلص من هذا الموروث الثقيل.

كما أن الانتفاضات التي هزت المجتمعات في السنوات الماضية لن تكون قادرة على تحقيق طموحات هذه المجتمعات في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في وقت وجيز.

ثم لا بد من حدوث تغييرات ثقافية وسلوكية عميقة وجذرية في هذه المجتمعات، لكي تدخل مرحلة جديدة في تاريخها المليء بالعثرات والإحباطات والانكسارات والكوارث والأزمات المفجعة.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الثقافة العربية في الزمن الراهن تعيش ترديا مخيفا، فأغلب المثقفين والمبدعين والفنانين مشتتون في المنافي، ولا روابط بينهم تسمح بالتواصل بالطريقة الفاعلة والناجعة، وثمة من اختار القطيعة مع بلاده فلم يعد يهمه مصيرها، وهذا ما لاحظته شخصيا عند المثقفين العراقيين.

والأفظع من هذا كله تكاثر "المافيات" التي أصبحت تحتل المواقع الهامة في الثقافة العربية لتنشر أشكالا مفزعة من الفساد، يكفي أن نعاين ما تقوم بها اللجان المكلفة بالجوائز لكي ندرك ما تعانيه الثقافة العربية من أوضاع مأساوية.

وهناك مثقفون وفنانون كثيرون يتحلون بأخلاق عالية ومواهب رفيعة، غير أنهم يجدون أنفسهم منسيين مهملين مهمشين بسبب ما تقوم به هذه المافيات من أعمال مشينة. في ظروف كهذه، كيف لنا أن نطلب من الثقافة أن تكون فاعلة في الواقع، وأن تساهم ولو بقدر ضئيل في الدفع نحو التغيير الحقيقي؟

المصدر : الجزيرة