نزار الفراوي-الرباط

تبدو العاصمة المغربية الرباط في الطريق لاستعادة هويتها الثقافية التي طالما احتجبت خلف طابعها الإداري والسياسي، وذلك من خلال المشروع التنموي الطموح الذي انطلق عام 2014 تحت شعار "الرباط مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية"، ويتوقع أن يكتمل في غضون عام 2018.

مشاريع بنيات ثقافية ضخمة بين مسارح ودور للثقافة ومتاحف يتواصل إنجازها وأخرى في طور الدراسة، لتشكل ما يشبه مدارا ثقافيا متكامل العناصر، يحتضن مختلف التعبيرات الثقافية والفنية، ويحوّل المدينة -التي صنفتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) تراثا ثقافيا عالميا- إلى مركز إشعاع حضاري، ووجهة متوسطية وعالمية للسياحة الثقافية، وحاضرة تعيش انسجام الوجه العمراني العصري مع الثراء التاريخي.

ولعل ما يثير الاهتمام في هذا الورش الثقافي الضخم كونه يندرج ضمن رؤية عامة متعددة الأبعاد، يقودها الملك المغربي محمد السادس لتأهيل النسيج الحضري للمدينة باستثمار إجمالي يناهز 9.425 مليارات درهم مغربي (968.4 مليون دولار) على مدى خمس سنوات، مما يصب في سياق العلاقة بين الثقافة والمدينة، والتي حضرت بقوة في تطور الحواضر الكبرى للعالم المتقدم.

بعد أزيد من عام على إطلاق المشروع، بدأت على الأرض عمليات الإنجاز من خلال الشروع في إنشاء دار الفنون والثقافة ومكتبة الأرشيف الوطني باستثمار إجمالي قدره 450 مليون درهم ( 46.25 مليون دولار)، لتنضم إلى متحف كبير للأركيولوجيا وعلوم الأرض، ثم المسرح الكبير، المعلمة ذات المواصفات الدولية.

نادر اليعقوبي: "المسرح الكبير" هو القطعة الأساسية في عقد المشاريع المبرمجة (الجزيرة)

المسرح الكبير
على ضفة نهر أبي رقراق، الذي يفصل الرباط عن سلا، في فضاء تطل عليه معالم الرباط العتيقة: قصبة الأوداية بسحرها الأندلسي، وصومعة حسان إرث الموحدين، وضريح محمد الخامس بمعماره التقليدي المميز، تجري تهيئة الفضاء الذي ستنتصب فيه منشأة ضخمة، يتوقع أن تكون واسطة عقد المشهد الحضاري الجديد للرباط كعاصمة ثقافية.

بتوقيع المهندسة المعمارية العراقية الأصل زها حديد، ذات الصيت العالمي، يضرب المسؤول بوكالة أبي رقراق نادر اليعقوبي، في تصريح للجزيرة نت، موعدا في أواخر 2018 لاكتمال "المسرح الكبير"، وهو معلمة متفردة على الصعيد العالمي، تشارك في تنفيذها شركات أجنبية، بتمويل عمومي يناهز 150 مليون دولار، وبطاقة استيعابية قدرها 1800 مقعد.

ويصف اليعقوبي "المسرح الكبير" بأنه القطعة الأساسية في عقد المشاريع المبرمجة وأكثرها تعقيدا من الناحية الهندسية بالنظر إلى التصميم غير التقليدي الذي أبدعته زها حديد، وسيكون مؤهلا من الناحية التقنية واللوجستيكية، حسب المسؤول بالوكالة المكلفة بتهيئة المشاريع على ضفة الوادي، لاحتضان جميع أنواع التظاهرات الثقافية والفنية.

وسيتم خلال الأسابيع المقبلة إطلاق دراسة بشأن آليات تدبير هذه المنشأة وتنشيطها بما يجعل العاصمة محطة للسياحة الثقافية، في مصاف باريس وروما وبرلين، من خلال برمجة فنية قوية للفعاليات.

شروط النجاح
ومهما كانت ضخامة المنشآت التي يتضمنها ورش العاصمة الثقافية وحجم الاستثمارات، فإن العنصر الأكثر أهمية في ربح هذا الرهان يتوقف على آليات تنشيط هذه البنيات واندماجها في الحياة اليومية للساكنة وجاذبية أنشطتها.

عبد المجيد فنيش: نجاح الرهان الثقافي يقوم على آليات التنشيط (الجزيرة)

ويشدد الناشط الجمعوي والثقافي البارز عبد المجيد فنيش على ذلك الرهان، ويقول في تصريح للجزيرة نت إن وتيرة التخطيط وتنفيذ المشاريع تعكس وعيا لدى القائمين على المشاريع بضرورة أن تكون هذه المؤسسات جاهزة لجعل الثقافة حدثا يوميا في حياة المواطنين من خلال برمجة ومنظومة تسيير متطورة.

فنيش ينظر إلى الرباط بعد  2018 عاصمة ترتدي حلة مدينة حديثة معتدة بخصوصيتها التاريخية التي تمتد إلى عشرة قرون وتنافس على الريادة في قائمة العواصم العربية والأفريقية الأكثر حداثة وانفتاحا. المدينة ليست بأضواء شوارعها وأحيائها، يقول هذا الفاعل في قطاع الثقافة والفنون، بل بفضاءات تنشطها يوميا خلايا نحل هدفها التفاف السكان والزوار حول عرض ثقافي وفني ينتج فكرا ونمط حياة جماعيا يعلي قيم التسامح والتساكن.

هذا الوجه الجديد لعاصمة ثقافية تواكبه مشاريع لا تقل طموحا من أجل صيانة الذاكرة العمرانية التي تمنح الرباط طابعها التاريخي المتعدد الأوجه بوجود معالم أثرية عريقة على ضفتي الوادي.

وفي هذا الإطار تم اعتماد مشاريع تستهدف ترميم الأبواب والأسوار التاريخية، وتهيئتها، وتأهيل قصبة الأوداية التي تشكل أول نواة حضرية عربية إسلامية في الموقع، تحمل بصمات المرابطين والموحدين والأندلس والعلويين، فضلا عن تأهيل موقع شالة الذي يحكي تاريخ مدينة استوطنها الفينيقيون والقرطاجيون ثم الرومان.

المصدر : الجزيرة