*أمير العمري

هذا السؤال كثيرا ما يثار عندما يجد المرء نفسه في أي مهرجان سينمائي عربي أو تظاهرة سينمائية تنظم في إحدى الدول العربية. والسؤال نفسه قديم قدم ظاهرة المهرجانات السينمائية العربية نفسها، أي منذ أن اتخذت صفة التنافس المحموم بين عدد من العواصم العربية، أساسا على القدرة على إحضار نجوم السينما العالمية حتى لو اقتضى الأمر أن تُدفع لهم ملايين الدولارات.

أول وأقدم مهرجان سينمائي عربي هو "أيام قرطاج السينمائية" الذي تأسس عام 1966 في تونس، ونشأ أساسا من قلب حركة نوادي السينما التونسية، وكان رائد هذه الحركة الطاهر الشريعة هو مؤسس المهرجان، متأثرا بلا شك بأجواء مهرجان كان الفرنسي الشهير، ولكن مع إضفاء بعد أفريقي وعالم ثالثي على برامج المهرجان في وقت كان يدور فيه جدل كبير حول الدور السياسي للفيلم، وكيف يمكن أن يكون وسيلة من وسائل النضال من أجل الاستقلال، وفيما بعد، في معركة التنمية.

كانت السينما الأميركية المهيمنة في العالم، قبل أن يبدأ ظهور السينمات الوطنية الأوروبية التي قدمت نماذج أخرى خارج الأنماط التجارية الأميركية المعروفة. وفي هذا السياق اهتم مهرجان قرطاج بما عرف في الستينيات والسبعينيات بـ"السنيما الأخرى"، أي المناقضة لهوليود في أساليبها وتوجهاتها.

ولعب المهرجان دورا كبيرا في التعريف بهذه السينما الأخرى، كما ساهم في دعم ظهور النشاط السينمائي في عدد من البلدان العربية وأولها تونس نفسها التي كانت تعرف الثقافة السينمائية من خلال "نوادي السينما" أكثر مما كان تعرف الإنتاج السينمائي، غير أن التوجه الأساسي للمهرجان خلال السنوات الأخيرة أصبح فرانكفونيا راسخا، بعيدا عن السينما العربية والأفريقية سوى بالتمثيل الشكلي السطحي، بقدر اندماجه في دائرة الإنتاج والتوزيع الفرنسية تحديدا بحكم اهتمامات ومصالح القائمين عليه!

ظهر بعد قرطاج مهرجان القاهرة السينمائي (1976) الذي اتجه إلى منافسة مهرجانات العالم الكبرى، استنادا إلى فكرة أن القاهرة هي "هوليود الشرق"، والحقيقة أنه سرعان ما ثبت فيما بعد، أن "بوليود" هي هوليود الشرق، وأن دور القاهرة كمركز سينمائي كبير في أفريقيا وآسيا كان قد تضاءل في نهاية الخمسينيات، أما حينما ظهر مهرجان القاهرة السينمائي في السبعينيات فكان الوضع قد تغير كثيرا، ثم ظهرت الأزمة التي عرفتها السينما المصرية في الثمانينيات مع شيوع ما عرف بـ"سينما المقاولات"، أي تلك الأفلام الاستهلاكية السريعة القليلة التكاليف.

فشل مهرجان القاهرة بسبب ابتعاده عن محيطه الطبيعي وهو العالم العربي والتركيز على هوليود ونجوم هوليود، وفي الوقت نفسه، العجز عن استقدام هؤلاء النجوم بسبب ضعف الميزانية.
وكما كان مهرجان القاهرة مهرجان دولة، أي مرتبطا بشكل مباشر بالحكومة رغم بقائه شكليا مؤسسة مستقلة، ظهر مهرجان دمشق السينمائي عن وزارة الثقافة السورية التي تتلقى توجيهات مباشرة من حزب البعث الحاكم. ولم يكن غريبا أن ينظم مهرجان دمشق عام 1991 تظاهرة خاصة للأفلام التونسية الجديدة (ستة أفلام) ويوجه الدعوة إلى مخرجيها، ثم يُمنع عرضها بقرار من وزارة الثقافة بدعوى أنها أفلام "صهيونية"!

كانت مهرجانات المغرب أفضل حالا وخصوصا مهرجان تطوان الذي انطلق عام 1988 وتخصص في سينما بلدان البحر المتوسط، محددا هويته من البداية، وكان يعمل بشكل مستقل عن الحكومة من خلال جمعية لهواة السينما، واتسع نشاطه فيما بعد وأصبح يقام سنويا وينظم مسابقة ويمنح جوائز بعد أن بدأ كتظاهرة تقام كل عامين (مثلما بدأ مهرجان دمشق).

وبعده ظهرت عشرات المهرجانات في المغرب، تنظمها جمعيات أهلية لكن معظمها يعكس رغبة الجماعات التي تنظمها في التواجد على الساحة دون أن تكون لمهرجاناتها أي فعالية حقيقية، ثم انطلق مهرجان مراكش عام 2001 برعاية مباشرة من أعلى سلطة في الدولة، وأراد منظموه من البداية أن يكون مهرجانا عالمي الطابع، فرنسي الهوى، أميركي التوجه، يقام على الأرض المغربية وظلت إدارته حتى الآن فرنسية، مع تدخل هامشي من قبل المركز السينمائي المغربي، وظل اهتمامه الأساسي منصبا على السينما الأميركية، وظل الحضور العربي فيه هامشيا.

في الخليج ظهرت مهرجانات سينمائية في دبي وأبو ظبي والدوحة. كان مهرجان دبي هو الرائد، فقد بدأ عام 2004، وبعد ثلاث سنوات في 2007 انطلق مهرجان أبو ظبي (2007)، وبعده الدوحة ترايبيكا (2009).

وكانت تجربة مهرجان دبي أساسا تتلخص في عرض "سلة" أفلام العالم، لجمهور من التجمعات العرقية المختلفة، لكنه تقلص أخيرا في حجم برامجه وأصبح يحشد عددا كبيرا من التجارب المصورة بكاميرا الفيديو الرقمية من طرف كل من يملك شراء واحدة منها، وتقديم هذه التجارب باعتبارها "أفلاما خليجية" أو "إماراتية" أو "سعودية" بغض النظر عن أن معظمها ليس من الممكن مشاهدته بسبب رداءة الصوت والصورة.

كما أصبح المهرجان الذي كان شديد التنظيم والانفتاح، مغلقا على نوعية معينة من الضيوف، يخضع لسياسة معينة في اختيار الأفلام والضيوف، تقوم على "توازن الجنسيات" بغض النظر عن المستوى.

وظل الجانب الإيجابي في مهرجان دبي متمثلا في صندوق "إنجاز" الذي يدعم بعض التجارب السينمائية في الإمارات والعالم العربي عموما، وهو نفس ما يقوم به صندوق "سند" المنبثق عن مهرجان أبو ظبي السينمائي. ولكن قرار إيقاف هذا المهرجان الناجح، كان صادما لكل عشاق السينما في العالم العربي، بعد أن أثبت خلال ثماني دورات، قيامه بدور جيد من خلال انفتاحه الكبير على التجارب السينمائية في العالم العربي والعالم.

يظل المطلوب أن تتبنى صناديق الدعم نوعا من الشفافية، وأن تعتمد أكثر على خبرات احترافية مستقلة، كما هو شأن لجان التحكيم الدولية التي تمنح الجوائز في المهرجانات، وأن تتخلص من فكرة التنويع العرقي والجنسي، وأن تنحاز فقط للأفكار والمشاريع الجيدة بغض النظر عن بلد المنشأ، وأن  تنشر نتائج عملها ومناقشاتها.

تنظم معظم المهرجانات العربية السينمائية ورشات عمل، لكنها تظل استعراضا شكليا لا يؤدي إلى ظهور واكتشاف مواهب سينمائية حقيقية، وينتهي دور الورشة عادة بنهاية المهرجان، كما أن الغالبية العظمى من هذه المهرجانات فشلت في نقل الفيلم العربي إلى دائرة التوزيع في العالم الخارجي ناهيك عن باقي بلدان العالم العربي، كما فشلت في توزيع الفيلم الأجنبي المتميز فنيا -خارج نطاق السينما الأميركية- في الدولة المنظمة.
____________
* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة