هيثم حسين

عشرون عاما تفصل بين زمن كتابة رواية "غبار اليوم التالي" للسوري عاصم الباشا، وزمن نشرها، وهذا يثير أسئلة عن راهنية الرواية وامتداديتها، وعن فكرة عبور الأدب للزمان والمكان واحتفاظه بتجدده.

الرواية التي كتبها الباشا بين دمشق وغرناطة سنة 1996، ونشرتها مكتبة توتيل العربية في إسطنبول 2016، تتناول مفارقات من الحياة الفنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لـ سوريا في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وتنفتح على الأحوال التي أوصلت إليها السياسات التي كانت متبعة، وكيف كانت تمهد للتفتيت الاجتماعي.

عاصم الباشا، وهو نحات وفنان سوري ولد سنة 1948 في بوينس آيرس في الأرجنتين، درس الفن والنحت في موسكو 1970 – 1977، يقيم في غرناطة في إسبانيا، صدرت رواية "وبعض من أيام أخر.."، ومجموعتان قصصيتان: "رسالة في الأسى"، "باكرا، بعد صلاة العشاء"، وكتاب "يوميات الشامي الأخير في غرناطة" الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.

يصور الباشا نحاتا يعود لبلده بعد سنوات من الدراسة في الاتحاد السوفياتي، ليصدم بالواقع المفجع، وتفشي الفساد في قطاعات الدولة ومؤسساتها، والتعاطي البائس الذي كان يتم مع الفنانين، ومحاولة توظيف طاقاتهم وإبداعاتهم في خدمة رأس النظام، لتلميع صورته ورسم هالة من التعظيم حوله.

عاصم الباشا: أكتب ما لا يُنحت أو يُرسم (الجزيرة)

صورة الروائي
بطل الرواية "لواء" يتجلى كصورة للروائي نفسه في مرحلة بعينها من حياته، يعود متفائلا إلى بلده ليعمل فيها، فيجد نفسه في فخ الحاجة للعثور على عمل، يتفاجأ بانعدام الثقة بين كثير من الناس، وتغير الأحوال والوصول إلى درجة من البؤس الاجتماعي، بحيث انقلب سلم القيم ودرجت مفاهيم جديدة من التسلط والشطارة والتبعية.

يلقي الباشا، من خلال إدخال بطله لواء إلى مديرية الآثار بحجة العمل فيها، بعض الأضواء على عمليات تهريب الآثار التي كانت تتم على مرأى ومسمع من السلطة، بل بمشاركة مسؤولين متنفذين فيها، وتسهيلهم لها، بحيث تنتقل عشرات الأعمال التاريخية الأثرية التي تشكل ثروة البلاد وإرثها التاريخي الحضاري إلى الخارج عبر سماسرة وتجار ينهبون الوطن باسم حمايته.

النحات الذي ضاقت به السبل للحصول على وظيفة مناسبة تعينه في حياته، يشهد انحدار الناس إلى مواضع لا تليق بهم، ينتقد ممارساتهم الشائنة للحظوة ببعض المكتسبات، وكيف أنهم يلجؤون إلى حيل وألاعيب للإيقاع بغيرهم، في محاولة لرفع أسهمهم عند السلطة التي كانت قد أحكمت قبضتها الأمنية على البلاد بعد أن نكلت بالناس وقمعتهم بطريقة عنيفة.

يلفت الباشا إلى حالات التهجير المباشرة وغير المباشرة التي كان ينتهجها النظام ضد المختلفين معه، وتكون حكاية راويه لواء دليلا على الفتك بالفن وأهله ممن لم يرض بالتبعية ولم يعمل لتلميع صورة الزعيم ونحت التماثيل له.

يقرر لواء ترك بلاده التي بات يشعر فيها بالغربة تضغط عليه وتحاصره، فبعد فشله في الحصول على وظيفة في سلك التعليم، اختاره مدير مكتب الوالي لينحت تمثالا ضخما للوالي، يمارس معه أسلوب الترغيب والترهيب، يعرض عليه أموالا تخرجه من حالة الفقر التي هو فيها، وتغنيه عن العمل لسنوات.

عاصم الباشا:
كان لا بد من الإشارة إلى السبب الذي استوجب رحيلي عن البلد: ملاحقة القصر الجمهوري لي لإقامة تماثيل للوحش الأب

مبادئ وضغوط
يدخل النحات لواء في صراع بين قيمه والرغبة في الثراء، يفكك جوانب الضعف في النفس البشرية وإمكانية انسياقها وراء المغريات، لكنه ينتشل نفسه من فخ الإذعان لجبروت النظام، يفضل حريته وفنه وأخلاقياته على القبول بنحت تماثل للزعيم المستبد، ويقرر الهجرة عن بلده هاربا بقيمه إلى حيث تكون الغربة وطنا، مبتعدا عن وطن بات غريبا فيه، مسلوب الحرية ويراد له أن يكون مسلوب الكرامة تابعا.

في جوابه عن سؤالنا: ما الذي يدفع نحات إلى الكتابة؟ أجاب الباشا: ماذا دفع دافنشي وميكال أنجلو وكوربيه وديلاكروا وغوغان وفان غوغ وماتيس وبيكاسو وأوتيثا وغيرهم إلى الكتابة؟ لا أعرف. وأضاف: دون مقارنة النفس بالعمالقة، إلا أنني أتنفس كما تنفسوا، وأنا نحات يكتب أحيانا لذا سألت نفسي أيضا ولم أجد سوى جواب واحد: أكتب ما لا يُنحت أو يُرسم.

يذكر الباشا أنه نشر مغامرته التجريبية "وبعض من أيام أُخر.." سنة 1984، وكانت محاولة للإحاطة بإخفاق جيل الوالد. يقول: بعد سنتين، وأنا أعد نفسي وعائلتي للنفي الذاتي تساءلت "وماذا عن إخفاقنا نحن؟"، فبدأت "غبار اليوم التالي" بمن تبقى من شخصيات التجربة الأولى. ويلفت أنه يندر أن يتخيل ما يكتبه ، وأنه يفضل ما اختبره، لذا فغالبية ما جاء في الروايتين عايشه بشكل أو آخر.

بالإشارة إلى تجربة النفي الذاتي التي خاضها ووثق جوانب منها في عمله، يقول الباشا "كان لابد من الإشارة إلى السبب الذي استوجب رحيلي عن البلد: ملاحقة القصر الجمهوري لي لإقامة تماثيل للوحش الأب. وكالعادة، كنت أكتب صفحتين وأنسى الأمر شهرا. كففت يدي عنها بعد عشر سنوات، عام 1996، ونُشرت بعد عشرين سنة من ذلك! لأن الرقابة طلبت من (دار المدى) حذف 24 صفحة منها، المتعلقة بتمثال الوالي، كما أسميته".

المصدر : الجزيرة