تضم مكتبة جامع عبد القادر الكيلاني وسط العاصمة بغداد -المعروفة بـ"المكتبة القادرية"- بين جنباتها أكثر من 68 ألف كتاب، وقد استطاع القائمون عليها حماية هذه الكتب من النهب والإتلاف إبان دخول القوات الأميركية، ونجحوا في إعادة ترميم المخطوطات التي بحوزتهم.

مروان الجبوري-بغداد

كان للثقافة نصيب كبير في كل المآسي والنكبات التي مرت وتمر بـالعراق منذ الغزو المغولي والكتب التي يروى أنها أغرقت في نهر دجلة، مرورا بالاحتلال الأميركي وانتهاء بيومنا هذا.

فقد تعرضت مئات الكتب النادرة والمخطوطات في العراق للحرق والسرقة عند دخول القوات الأميركية إلى عاصمة الرشيد، بعد حالة الفوضى التي ضربت البلاد.

بيد أن بعض المكتبات العامة والخاصة استطاعت الحفاظ على جزء من هذا الإرث، عبر جمعه وتخزينه في أماكن خاصة إلى أن انجلى شيء من غبار الفوضى وعاد الاستقرار النسبي إلى المدن العراقية.

وكانت في المقدمة مكتبة جامع عبد القادر الكيلاني في منطقة "باب الشيخ" وسط بغداد، والمعروفة بـ"المكتبة القادرية" التي تضم بين جنباتها أكثر من 68 ألف كتاب، من بينها ما يقارب 1700 مخطوط، حيث استطاع القائمون على المكتبة جمع بعض الكتب التي تعرضت للسرقة والضياع بعد عام 2003 وأعادوا ترميمها، كما يقول أمينها عبد المجيد محمد صبري.

مخطوطة منتشلة من نهر دجلة بعد أن ألقاها المغول فيه (الجزيرة)

ويحكي صبري للجزيرة نت كيف قاموا قبيل دخول القوات الأميركية لبغداد بنقل الكتب التابعة للحضرة القادرية من مخزنها القديم إلى مكان جديد محصن، خوفا عليها من النهب والتخريب، وقد استطاعوا بهذه الطريقة حمايتها من السرقة والإتلاف.

ويقول صبري إنهم استطاعوا إعادة ترميم المخطوطات التي في حوزتهم بجهود خاصة، دون أية معونة سواء من جهات حكومية أو مؤسسات خاصة.

تزيين
ويقوم مختصون في مكتبة جامع عبد القادر الكيلاني بتزيين المخطوطات بنقوش نباتية وبحبر نباتي خالص وطلائها بماء الذهب، ومن بين هذه المخطوطات مصاحف نادرة مهداة من عدد من الأمراء والعلماء الذين كانوا ينظرون بكثير من التقدير والاحترام لجامع الكيلاني والمؤسسات الملحقة به.

وقد كان من بين هذه المصاحف نسخة من المصحف الشريف أهداها للمكتبة إمبراطور الهند المغولي وباني "تاج محل" المعروف بشاه جيهان، وهي نسخة ما زالت موجودة في الجامع.

من المصاحف النادرة الموجودة في المكتبة القادرية (الجزيرة)

وتعود هذه المخطوطات إلى العصرين العباسي والعثماني، ولعل من أكثرها أهمية مجموعة من الكتب التي انتشلت من نهر دجلة بعد أن ألقاها المغول فيه إثر غزوهم بغداد.

ويقول الباحث زين النقشبندي إن المكتبة قديمة قدم جامع الشيخ عبد القادر الذي يعود إلى نهايات العصر العباسي.

ويضيف أن الجامع والمكتبة تعرضا للتدمير والتخريب، ولا سيما إبان الغزو الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي، لكن البغداديين أعادوا بناءها.

ويتابع أن نقباء الأشراف وعلماء بغداد كانوا يحرصون باستمرار على إعمار المكتبة والتبرع لها بكتبهم الخاصة، لا سيما زعيم الأسرة الكيلانية وأول رئيس وزراء في العراق الحديث عبد الرحمن النقيب الذي تبرع بكتبه الشخصية للمكتبة.

ويوضح النقشبندي أن النقيب كان يرسل نسّاخا إلى المدن الكبرى في العالم الإسلامي آنذاك، مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة وإسطنبول والقاهرة وغيرها، لينسخوا له الكتب النادرة وغير المتوفرة في العراق وقتها، بينما لا تزال المكتبة مفتوحة أمام الطلبة والباحثين في شتى العلوم.

جامع الشيخ عبد القادر في بغداد (الجزيرة)

عراقة التاريخ
وتعد منطقة باب الشيخ وسط بغداد من أقدم الأحياء في العاصمة، وكانت تسمى في العصر العباسي بـ"باب الأزج".

ويقول الكاتب والباحث عبد الرزاق البغدادي إن المنطقة حملت بمرور الوقت اسم الشيخ عبد القادر الذي جاءها في نهايات القرن الخامس الهجري، وعلا شأنه فيها حتى أصبح إمامها وعالمها.

ويضيف البغدادي للجزيرة نت أن الجامع كان في الأصل مدرسة للحنابلة بناها القاضي أبو سعيد المبارك المخرّمي، ثم فوضت إلى تلميذه الشيخ عبد القادر.

ويشير البغدادي إلى أن المدرسة قد ضاقت بطلبتها فتسارع أهل بغداد حينها إلى توسعتها إلى أن توفي الشيخ عبد القادر سنة 561 هجرية، ودفن في رواق مدرسته وبني بجوارها الجامع ومعه المكتبة.

ويؤكد البغدادي أن المدرسة لا تزال حتى اليوم تستقبل طلاب العلوم الشرعية من العراق ودول العالم الإسلامي، مطالبا المسؤولين العراقيين بإبداء اهتمام أكبر بالتراث العربي والإسلامي في العراق، في وقت تتعرض فيه آثار البلاد ونفائسها للنهب والتهريب والتدمير، بحسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة