علي البتيري

هناك نوع شاق وصعب من الكتابة يكون أشبه بالحمل الصّعب الذي تعقبه عمليّة طلق وولادة حيث يبتهج للمولود الجديد القلم وتفرح له الورقة وما بين ابتهاج القلم وفرح الورقة يشعر الكاتب بالارتياح بعد عناء، كما يشعر بنشوة العطاء، وذلك بعد أن عانى نوبات القلق والمعاناة والاضطراب سواء طالت مدَّة الحمل بالنّص الابداعي الهادف أو قصرت.

والكاتب المبدع بحق إذا راودته فكرة وحركه نحو قلمه موقف مؤثر يعمد إلى تأجيل الكتابة ويعمل على اختزان تلك الفكرة أو ذلك الموقف ويٌفضل فترة "الحمل القصير" –إن جاز التعبير- على استعجال مسألة العناق بين الورقة والقلم خوفا من الوقوع في حالة الإجهاض لموضوعه وهو في طور الجنين وبداية التكوين، أو الوقوع في آفة العوم على السطح الذي لا يخرج منه إلا بحصاد الزّبد، وبما خف وزنه وقلَّ ثمنه من الخواطر والكلمات الطافية.

فالمحترف لفن الكتابة الصّعبة يفضل الغوص في الأعماق ليخرج لنا باللآلئ والأصداف، إذ إنّ فارس الكتابة الشاقة المجهدة للعقل والقلب يُدرك منذ البداية أن رحلة قلمه تحتاج إلى صبر وأناة وقدرة فائقة على احتمال الأسفار والأخطار، وهو إذ يُعلي شراع الكتابة يرى في نفسه ذلك الرّبان الجسور الشجاع الذي لا يوقفه مضيق ولا يردّ قلمه إعصار.

الفرق بين إنجاب الطفل عند المرأة الأم وبين إنجاب الشاعر أو القاص للقصيدة أو القصة هو أن الأمَّ تحاط بعناية فائقة من العائلة ومن الطبيب أو القابلة، أما الشاعر والقاص فليس لكل واحد منهما إلا العناية بجنينه الإبداعي المتشيّئ بين عقله وقلبه، كما أن عليه في أصعب الظروف وأتعسها أحيانا القيام بدور الطبيب المشرف على عملية الولادة لنصه الإبداعي الموعود.

الأديب الذي يختار المركب الصعب في بحر الإبداع يحرص كل الحرص على أن ينتج أدبًا غير الأدب الذي يأخذ برهبان الكلمة إلى معابد الجمال 

الصنعة الإبداعية
لم أكن أودُّ أن أرسم صورة طريفة ومحرجة للمهمة الإبداعية الموجعة والصّعبة التي يضطلع بها الأديب المبدع، إلا لكي أشير عن قرب إلى هذه الصّنعة الإبداعية المضنية والمصحوبة في معظم الأحيان بأوجاع حادّة وحقيقية تطال خلايا الدماغ وشغاف القلب وشبكة الأعصاب المشدودة عند الكاتب الذي يأخذ مهنة الكتابة على محمل الجد، ويعتبرها رسالة وواجبًا تنويريًّا قبل أن تكون هواية أو لعبة مسلية على الورق.

إنها كتابة من نوع خاص لا يستطيع كاتب أن يمارسها وهو متكئ على قلمه أو وهو مضطجع على ورقته البيضاء، أو وهو متمدد ومستدفئ في الفراش، أو وهو منبطح باسترخاء فوق مكتبه الأنيق يستمع إلى موسيقى حالمة في انتظار فنجان ساخن من القهوة.

إنّها ممارسة اختيارية من نوع آخر لفن الكلام الجميل المتوهج بالإبداع والفائض بشيء من الجاذبيّة والإشعاع، فالكاتب في هذه الحالة أشبه بعامل منجم يكدّ ويكدح من أجل استخراج هذه المعادن الثمينة على أمل أن يحدث بريقُها بعد نفض الغبار عنها ثقوبًا في عباءة الليل الذي طال وهو يخيمُ على العقول العربية في هذه المنطقة الساخنة من العالم.

لعلك عزيزي القارئ قد وصلت معي إلى توصيف دقيق وواضح لفن الكتابة الصّعبة الذي ذهبت وإياك إلى الكشف عن ميزاته وعناصر وشروط الإبداع فيه. هذا الفن الشاق والبالغ الأهمية الذي نحن في أمس الحاجة إليه ما دامت الكتابة السهلة المتسطحة قد عمّت وطمَّت في مقابل ما يصدره نفر من الكتاب المبدعين المتصفين على الدوام بالسّهر على مسألة الإبداع الحقيقي الموقظ لضمير الأمّة والمؤثر في حركة نهوضها وتقدمها، والموجّه لمسيرتها، والقادر على استشراف مستقبلها ورسم معالمه بالكلمة.

الكتابة الأدبيّة الصعبة والرائعة ذات الثمار اليانعة تجد من يتطاولون عليها بعصيهم القصيرة ومن يرجمونها بحجارتهم الضريرة، وهم من أصحاب المواهب الضحلَة وفرسان المواجهات السّهلة والكتابات الفقيرة

الأدب الملتزم
هذا النوع من الأدب الملتزم بقضايا الوطن والمجتمع أشبه بالعملة الصعبة التي لا تتوفر بسهولة في سوق الكلمة، ولا تحصل عليها في أي مكان، فصاحب هذا النوع من الأدب الصّعب الصياغة والتوليد لا يواجه الواقع الجارح والدامي معًا مواجهة المغلوب على أمره والسلام، بل هو معتاد على مواجهة الواقع المأزوم بكل تحدّياته وإرهاصاته مواجهة الفارس الشجاع الذي يمتطي حصان موهبته مشهرًا قلمه بيد وصوته باليد الأخرى ولسان حاله يردّد قول الشاعر العربي:
قف دون رأيك في الحياة مجاهدًا * إن الحياة عقيدةٌ وجهادُ

والأديب الذي يختار المركب الصعب في بحر الإبداع يحرص كل الحرص على أن ينتج أدبًا غير الأدب الذي يأخذ برهبان الكلمة إلى معابد الجمال فحسب، حيثُ يطمح إلى أن يرفعه إبداعه الأدبي المميز شكلًا ومضمونًا إلى مصاف الحكماء والفلاسفة والمصلحين الذين يحملون على كواهلهم هموم الإنسان ومكابداته بكل ما فيها من آلام وآمال، لنقلها من مواقع القهر والإحباط إلى مشارف الحقّ والخير والعدل، حتى ولو كان هؤلاء في ساحة المواجهة حُفاة الأقدام والأقلام يقفون أو يسعون على شوك وجَمْر، فهم لا يأبهون بصعوبة الأمر أو وعورة الدّرب وطول المسافة، فالقلم عندهم حصانٌ بلا لجام، والإبداع في نظرهم معركة تتطلّب الحنكة والاستبسال على الدوام.

 ما يؤسف له هو أن هذه الكتابة الأدبيّة الصعبة والرائعة ذات الثمار اليانعة تجد من يتطاولون عليها بعصيهم القصيرة ومن يرجمونها بحجارتهم الضريرة، وهم من أصحاب المواهب الضحلَة وفرسان المواجهات السّهلة والكتابات الفقيرة. وعزاؤنا في هذا الحقل أنّ الأشجار السامقة ذات الثمار العالية الطيبة هي التي ترمى بالحجارة.

المصدر : الجزيرة