هيثم حسين

يركز العماني نبهان الحنشي في روايته الجديدة "ضوء خافت لذاكرة مهتزة" على دور الحنين في إثارة الذكريات بالنسبة للاجئ المغترب عن بلده، وكيف يتحول شريط الذكريات إلى خيط ممتد بين الماضي والحاضر، ويبقيه مرتبطا بمكانه الذي هجره، والذي ما زال مسكونا بتفاصيله الدقيقة.

يستهل الحنشي المشهد الافتتاحي من روايته بتصوير بطله سالم في مقهى بيروتي مع شلة من أصدقائه اللبنانيين المنتمين إلى طوائف مختلفة، وهو العماني اللاجئ هناك، هرب من واقع بائس، واصطدم في بيروت بواقع يتفوق على الواقع الذي هرب منه من جهة الأجواء المشحونة بالطائفية، لدرجة تبدو فيها الأوقات الهادئة ملغومة بعواصف لاحقة، وتنذر بما هو مفجع كل مرة.

يلجأ الحنشي، المقيم في بريطانيا، إلى لعبة الصراحة بين شلة الأصدقاء ليعبر كل واحد منهم عن همومه وأحلامه وآماله، ويتخذ الحنين دربا إلى كشف أوراق ماضيه، ويكون الاهتزاز على وقع الذكريات والتعبير عن مكنونات روحه وقلبه، ويكون سالم صورة عمانية لأولئك الأصدقاء اللبنانيين، وكأن قدرهم التجرع من كأس المرارة نفسها في واقع اجتماعي مضطرب.

يتمرد سالم على أعراف القبيلة، يكسر ذلك التقييد الذي يجد نفسه محاصرا به، يقترن بسمية التي يحبها، يقرران معًا أن يختارا حياتهما ويصنعا مصيرهما بأنفسهما، تنبذهما أسرتاهما، ويستدرج سميةَ أهلُها إلى البيت للإيقاع بها، وقتلها بطريقة وحشية، ثم الزعم بأنها لم تستطع أن تسامح نفسها على الأذى الذي ألحقته بأسرتها فانتحرت.

نبهان الحنشي: حاولت من خلال روايتي الانتصار للإنسان والحب والحرية (الجزيرة)

تداخل الحروب
يلفت الحنشي كما في عمله السابق "امرأة تضحك في غير أوانها" إلى العنف ضد المرأة، وتعامي السلطات عنه، وعن بعض الجرائم التي تكون المرأة ضحيتها، وتراعي الحساسيات القبلية وتغض النظر عن التنكيل بالمرأة، وقتلها تحت بند جرائم الشرف، في الوقت الذي تكون المرأة فيه قد طالبت بأبسط حقوقها فقط.

يحاول الحنشي إجراء نوع من التداخل بين الحروب الخفية التي تقع داخل مجتمعه، والحروب الفعلية الدموية التي تدور في أكثر من منطقة في العالم العربي، ويكون التركيز على الحالة السورية، من وجهة نظر بعض اللبنانيين المشاركين فيها، أو المتأثرين بها بطريقة أو أخرى، وكيف أن التناقض والخلاف يسودان الأجواء ويجعلانها متوترة بشكل مستمر.

يلفت إلى هروب سجناء لبنانيين من سجون سورية عقب سيطرة الثوار عليها، واكتشاف أن هناك أشخاصا لبنانيين أحياء كان نقل إلى أهلهم نبأ موتهم وفقدهم منذ أكثر من عقدين من الزمن. 

ينقل الروائي مشاهدات من لبنان بحكم بقائه فيها وتعرفه إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والحدود المكهربة بين الطوائف فيها، ومزاعم بعضهم بالتمرد على تلك القيود في حين أنهم يظلون أسرى لها، مرتهنين لسلطاتها المادية والمعنوية، منغمسين في شراكها، كحالة الشيعي الذي لا يتفق مع ممارسات "حزب الله" لكنه يمضي للمشاركة في القتال في سوريا ويعود قتيلا، يقع ضحية قضية لا يؤمن بها، لكنه لا يستطيع تحدي سلطة الحزب في محيطه.

لا يخفى أنه يمكن تلمس اتكاء كبير على السيرة الذاتية لدى الحنشي، بحيث تتبدى الرواية كأنها صدى لتنقلاته، وتظهيرا لمحادثاته، ولم تسعفه اللغة الشاعرية التي حاول إضفاءها على النص بإخفاء المباشرة في التناول السياسي أو الهجاء الاجتماعي.

ينقل الروائي مشاهدات من لبنان بحكم بقائه فيها وتعرفه إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والحدود المكهربة بين الطوائف فيها، ومزاعم بعضهم بالتمرد على تلك القيود في حين أنهم يظلون أسرى لها

انكسارات وهوامش
يلاحظ القارئ نوعا من الإقحام، كما في الفصل الثالث حين يورد عددا من الأبيات الشعرية، وكأن الشخصيات تدخل في مساجلة شعرية على هامش ما تعيشه من انكسارات حياتية، ويحضر كذلك في الإشارة إلى بعض الأحداث المعاصرة التي حدثت، كاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأصداء ذلك على الفرق اللبنانية، ثم وقع صدامات هنا أو هناك، والإشارة إليها بتواريخها الزمانية والمكانية.

في تصريح للجزيرة نت تحدث الحنشي عن اشتغاله في عمله وعن الجانب السيري وقال إن القارئ قد يجد تقاطع سيرة العماني المغترب مع مجموعة أصدقاء من الشباب اللبناني، لكن الرواية مبنية على أحداث خيالية وإن استندت على واقع، سواء في الشأن اللبناني أو العماني وأكد أن الغربة "فرصة قاسية لاستكشاف دواخلنا، واختبار قناعاتنا وعيش اختياراتنا".

وعن اقتراب العمل من التحليل والدراسة في بعض الجوانب يقول الحنشي: إن الرواية ليست "تحليلا" ولا "دراسة" للواقع اللبناني، بل هي مجرد قصة أصدقاء، وتأثير تداعيات الوضع "الطائفي" و"المذهبي" عليهم، ومدى صمودهم وكذلك انهزامهم أمام هذه الأوضاع.

وأوضح أنه حاول من خلال الرواية "الانتصار للإنسان والحب والحرية فقط، ولست أهدف من خلالها إلى الوقوف مع فريق ولا ضد فريق، فذلك أمر آخر وإن تداخلت خطوطه في الرواية إلا أنني لم أسع إلا لتوظيفه بما يخدم العمل الروائي".

المصدر : الجزيرة