المحفوظ فضيلي

في الحلقة الـ21 من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربيتنتقد الكاتبة الجزائرية هاجر قويدري بحدة أداء المبدع العربي في حراك الربيع العربي، وتقول إنه "لم يكن في الصف الأول.. لقد تأخر نوعا ما عن اللحاق بشعبه حتى أصبح في النهاية بهلواناً يعارض ويناقض تارة، ويصفق ويوافق تارة أخرى".

وترى هاجر قويدري، الحائزة عام 2012 على جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي صنف الرواية عن عملها "نورس الباشا"، أن المبدع الحقيقي هو الشعب العربي الذي طالب بحقوقه في شكل حضاري مبدع.

وعن دروس الربيع العربي، تقول مؤلفة "الرايس"، إنه يجبرنا على إعادة ترتيب كل شيء، وفي مقدمة ذلك المتابعة النقدية وما تتطلبه من إبداع فكري وفلسفي وبالتالي الحاجة إلى محمد أركون جديد، وإدوارد سعيد مرة أخرى. وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

   كان شيء ما حينها على المحك، ولم يكن الأمر يحتاج التوقع، لكن الذي لم يكن متوقعا فعلاً أن يسقط كل شيء من فوق جبل ويعود جحراً صامتاً في قاع مظلم، لم نكن نتوقع أن يصل الأمر إلى هذه التصعيدات العنيفة، التي تجعلنا نتحسر على الذين قدموا حياتهم لاعتقادهم بأن الوطن العربي سيعيش عدالة اجتماعية وحرية وديمقراطية. دائما أفكر في هؤلاء، لقد قدموا ثمن الحرية مسبقاً، وعلينا أن نجعل أرواحهم تستريح، وإلا ستلاحقنا لعناتهم إلى يوم الدين.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا في ذلك الربيع؟

كان الإبداع الجمعي حاضراً، كنا نقرأ الإبداع الحقيقي على لافتات الميادين، وعلى تعليقات شبكات التواصل الاجتماعي، كان هناك مبدع أكبر منا جميعاً إنه الشعب عندما يطالب بحقوقه في شكل حضاري مبدع، لم يكن هناك الإبداع العربي المغلوب والذي لم يتمكن من تغيير شيء منذ الأشعار الأولى في هجاء سيف الدولة.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

  من الطبيعي أن يعود المبدع إلى مواطنته، ويقف إلى جانب أفكاره، يركب أفق تجاوبه مع الأحداث كمواطن تهمّه حريته، وفضاءه المدني قبل كل شيء، هذا هو الموقف الحقيقي الذي لابد أن نحترمه ونسبقه على أي موقف إعلامي قد يتشتت مع عدد القنوات العربية الهائل.

ومع ذلك لم يكن المبدع العربي في الصف الأول.. لقد تأخر نوعا ما عن اللحاق بشعبه حتى أصبح في النهاية بهلواناً يعارض ويناقض تارة، ويصفق ويوافق تارة أخرى.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

 ربما قد لا أكون منصفة في رؤية الأشياء لأننا في الجزائر خارج رقعة الربيع العربي، لذا لا يمكنني أن أواصل رفع شعاراتي اليسارية والجوع يقتل أصحاب الربيع في سوريا، لكنني أحاول أن أقنع نفسي بأن هناك ثمنا ونحن ندفع الثمن مضاعفاً حتى نحصل على آمالنا مضاعفة أيضاً، قراءة التاريخ كذلك تجعلنا ندرك أن الفترات الانتقالية في كل ثورات العالم دائما دامية، قاتلة، وثقيلة لكنها ستنزع منا كل الشرور حتى نفتح صفحات جديدة تليق بالمواطن العربي.

ما يوجعني حقاً هو أن مجموعة من القيادات فقط يمكنها أن تخفف كل هذه الهموم، وعليها أن تستجيب لهذا الشعب، لا أعرف لماذا يتأخرون أكثر... إنه أمر حزين فعلاً.

إلى أي مدى -متوسط أو بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي -حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية- ستتحقق على أرض الواقع؟

الربيع أفسد طباعنا وخلق في داخلنا الخوف، وهذه الثنائية (الثورة/الخوف) لا يمكنها أن تتعايش لذا نريد إبداعاً يبعد عنا الخوف ويمنحنا المزيد من الأمل والتفاؤل.

لابد أن يتحقق ذلك، ولو استدعى الأمر ربيعاً آخر من جديد، ما نخافه الآن هو تكريس هذه الفترة المظلمة، والتكريس يكون بكامل حده في أطفال لا تتركهم الحرب يذهبون إلى مدارسهم، أو لا يتمكنون من إنهاء مقرراتهم الدراسية، عندما تسرق هذه الظروف المشينة التعليم فإنها ستقدم لنا الجهل، ولكي نصلح ذلك سيلزمنا الكثير من الجهد والوقت، سوف نحتاج إلى سنوات ضوئية حتى نعود للحديث عن العدالة والديمقراطية، الطفل العربي هو الربيع العربي ونحن نعاند قدره عندما نخرب له لعبته.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

  يجبرنا الربيع على إعادة ترتيب كل شيء، ولعل أهم ما يجب أن نسارع في ترتيبه هو المتابعة النقدية له، وهذا يتحقق إذا فهمنا أن الإبداع هو كذلك الإبداع الفكري الفلسفي. نحتاج إلى محمد أركون جديد، وإدوارد سعيد مرة أخرى حتى نقوم بخلق القناعات المضادة ما دامت الدواعش تستعمل القناعات هي الأخرى في جلب تأييد الشباب لها. نحتاج بالفعل إلى قناعات حقيقية تقوم على العقل، وعلى الإنسان وتقديسه حتى لا يرمي بأولاده إلى البحر.

من جانب آخر، وفي مجال الإبداع الأدبي سيخلق التراكم لا محالة رواية وقصيدة يكتبها مبدع من قلب الربيع، لأن الإبداع هو حياة موازية والربيع صار حياتنا وهوسنا اليومي، نتتبع الأخبار ونفكر في أجوبة سياسية، نراهن على المفاوضات ونعود أدراجنا، الربيع أفسد طباعنا وخلق في داخلنا الخوف، وهذه الثنائية (الثورة/الخوف) لا يمكنها أن تتعايش، لذا نريد إبداعاً يبعد عنا الخوف ويمنحنا المزيد من الأمل والتفاؤل.

المصدر : الجزيرة