نزار الفراوي-الرباط

بعد طول مقام في عوالم الشعر والقصة طرق الأديب المغربي ياسين عدنان باب الرواية بنص تحت عنوان "هوت ماروك" التي تعد ديوانا سرديا للراهن المغربي في أبعاده السياسية وخلفياته الاجتماعية وذلك من خلال حكايات متضافرة لواقع طافح بالاختلالات، وشخصيات تجسد في معظمها قيما وضيعة للانتهازية والفساد والنفاق الاجتماعي.

يرسم عدنان شخوص الرواية قرينة لمسوخ حيوانية من خلال تمثلات ذهنية للشخصية الرئيسية، كما لو أن الفضاء الاجتماعي ذا الواجهة اللامعة بعناوين التقدم والحداثة يضمر غابة موحشة تسود فيها ثقافة القطيع وتحرك كائناتها غرائز بدائية وهواجس دفينة تطلب الإشباع والسلوى بأي ثمن.

ولعل قراء الرواية سيحتفظون في ذاكرتهم طويلا باسم "رحال العوينة" الذي يرى نفسه "سنجابا"، ليس فقط كبطل للرواية، ولكن كمرآة يعكس بها الكاتب العلاقة بين طفولة نخرها الحرمان من جهة وانحرافات سلوكية من عناوينها الحقد على الناجحين، والتوجس من الانحدار مجددا الى الحضيض، واستخدام أحط الوسائل لتحقيق غايات ولو وضيعة، من جهة أخرى.

رحال في مركز الحكاية وعلى يمينه وشماله نماذج تمتد بينه وبينها خيوط يحركها الراوي وينوعها بمهارة "حكواتي" محترف من طينة الرواة الذين يصنعون الفرجة في ساحة "جامع الفنا" الشهيرة التي لا يخفى تأثيرها على تشكل مخيلة الكاتب، ابن المدينة الحمراء.

عدنان: الرواية كوميديا حيوانية أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر وأحقاد (الجزيرة)

كوميديا حيوانية
شبكة معقدة من النماذج البشرية-الحيوانية، لكنها لا تخرج عن نطاق لعبة سردية محكمة تقوم على توظيف هذه النماذج في تعاقبها وتنوع مجالات حركتها واختلاف مواقعها وتكوينها النفسي من أجل استقراء جوانب مختلفة من واقع سياسي ومجتمعي مختل.

يقول ياسين عدنان عن هذا الاختيار "منذ البداية كنت أحب أن أكتب كوميديا حيوانية، لكن ليس على شاكلة لا كليلة ودمنة ولا مزرعة الحيوانات، بل كوميديا أتنقل داخلها بسلاسة ما بين البشر والحيوان، وهذا تحقق من خلال هذا العمل الذي يظل لكل شخصية من شخوصه الرئيسية قرين حيواني تتماهى به، إنها كوميديا حيوانية أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر وأحقاد".

تتسلل الرواية إلى قلب الزمن السياسي والإعلامي ودهاليزه ومعارك أجنحته، لكنه زمن مكتوب من داخل المكان الحضري الذي يعرفه ياسين ربما أكثر من أي مكان آخر من مراكش لا الأيقونة السياحية، بل مراكش الهامش والصراع اليومي مع الحياة.

من داخل محل الإنترنت الذي يديره "رحال العوينة" وعلى صفحات الموقع الإلكتروني الإخباري الأكثر انتشارا "هوت ماروك" يستعرض النص ديوان السياسة في البلاد، وتقاطعاتها بالإعلام، وتوظيفها لمساحات الكوكب الافتراضي التواصلي في التلاعب بالمشاعر العامة وتوجيه مواقف المواطنين الذين يرفلون في وهم الحرية وسراب الإرادة والاختيار.

هذه الرواية تفضح في حبكتها الرئيسية الحياة الموازية لرحال العوينة الذي نفاجأ بأن حياته الافتراضية في هوت ماروك وعلى الفيسبوك مخالفة تماما لحياته الواقعية

حياة سرية
عن الفضاء الأزرق كعالم للرواية يوضح عدنان أنه "يمكن الزعم أيضا بأن الرواية كوميديا إلكترونية ما دام جزء من مغامراتها وأحداثها يدور بين خيوط الشبكة العنكبوتية، على الفيسبوك أساسا لكن أيضا من خلال موقع هوت ماروك الذي منح اسمه عنوانا للعمل". بالنسبة له صار الفضاء الأزرق "يسرق منا عمرنا بالساعات، صرنا نقضي وقتا طويلا أمام الكومبيوتر نبحر في المواقع ونتسكع في الشوارع الإلكترونية ونجلس طويلا في المقاهي التفاعلية على الإنترنت".

وخلص إلى أن "كان من الضروري أن نتصدى كأدباء للكتابة عن هذا العالم وعن حياتنا فيه، خصوصا تلك الحياة السرية التي يكشفها الأدب، وهذا ما قامت به هذه الرواية وهي تفضح في حبكتها الرئيسية الحياة الموازية لرحال العوينة الذي نفاجأ بأن حياته الافتراضية في هوت ماروك وعلى الفيسبوك مخالفة تماما لحياته الواقعية".

صناعة أحزاب من قبل أخطبوط الدولة العميقة، افتعال معارك لتضليل الرأي العام، فبركة أبطال وضحايا وتصفية الخصوم معنويا.. تلك مجموعة عوالم يكاد يتطابق فيها المتخيل مع الواقع، لتكشف حسا روائيا يبرع في التقاط التفاصيل وإدماجها ضمن نسق يجمع بين العمق في النفاذ إلى الظاهرة وإغناء فعل التخييل بالسخرية.

بعد أن أصدر عدة دواوين شعرية ومجاميع قصصية يدشن عدنان بهذا العمل الروائي رحلة لأفق إبداعي جديد على غرار كوكبة من الشعراء المغاربة الذين فتنهم عالم الرواية مثل محمد الأشعري وحسن نجمي وعائشة البصري وفاتحة مرشيد وآخرين.

المصدر : الجزيرة