ناصر يحيى

منذ عرفت البشرية "الدولة" في مسار تطورها ظلت تحلم بالحاكم العادل الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما، وفي المشهد السياسي العربي الراهن يبدو واضحا أن الأزمة الخطيرة التي تمر بها عديد مجتمعات عربية سببها تولي سدة الحكم من لا يصلح له، خصوصا العسكر الذين وثبوا إلى الحكم، وأبعدوا أهل الاختصاص والإدارة من المدنيين، واحتكروا السلطة مكررين مأساة المماليك القديمة.

في المقابل، فإن هناك حالات عديدة أيضا تولى الحكم فيها ولاة وسلاطين على درجة كبيرة من العلم والثقافة، لكن ذلك لم يمنعهم من الوقوع في المظالم والاستبداد، وإن كان الإنصاف يفرض القول إنهم كانوا أقل شرا من الحكام ممن وثبوا إلى سدة الحكم بالسيف والدبابة، فقد كانت عهودهم مزيجا من الخير والشر، وكانت لهم إنجازات حضارية رغم جبروتهم.

في تاريخنا العربي نماذج كثيرة للحاكم المسكون بثقافة عصره، العالم بالحكمة والشعر والأدب، وأيام العرب، فضلا عن القرآن والسنة النبوية والفقه، ومن نافلة القول إن الخلفاء والملوك كانوا حريصين على إعداد أبنائهم إعداد خاصا، وإيكال مهمة تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم لحكماء وأدباء وعلماء مشهورين.

ومع تلك الثقافة والمعرفة والحكمة التي تعلموها إلا أنها لم تعصمهم من الانحراف، فقد كانوا في معظمهم جبابرة في إدارتهم للحكم، وحماية أنفسهم وعروشهم، واستعانوا كذلك بولاة مثلهم كانوا يختارونهم على أعينهم، وهو ما يؤكد عدم صحة نظرية أفلاطون أن الحاكم الجيد هو رجل العلم والمعرفة والمتأمل.

ثقافة حكام العصر الذهبي للتاريخ العربي الإسلامي حفظت لنا نماذج لا تحصى من حكاياتهم الجميلة مع الأدباء والشعراء والعلماء، أو مثقفي العصر بلغة هذه الأيام، وليس تجاوزا القول إن جزءا كبيرا من إبداع الحضارة الإسلامية نشأ في قصور الحكام وبتشجيعهم للمثقفين والمبدعين.

وقد اشتهرت الحكايات عن عفو الخلفاء المحبين للأدب عن خصومهم لمجرد قصيدة استعطاف أو عبارة بليغة أو اعتذارات جميلة كانت تمنع جز الرؤوس في آخر لحظة.

ثمن الفصاحة
عرف عن الأمير الأموي عبد العزيز بن مروان عشقه للغة العربية، فقد أتقنها حتى صار من أفصح الناس، وكان يجزل العطاء لمن يعرب كلامه، وينقص عطاء من يلحن ويخطئ، ولما علم الناس منه ذلك أقبلوا على تعلم العربية.. ومن ظرائفه أنه سأل رجلا: ممن أنت؟ فقال: من "بنو" عبد الدار، فقال له: تجدها في جائزتك.. فنقصت مئة دينار جزاء خطأه في إعراب كلمة "بنو".

الأصمعي يغلب الخليفة
أما الأصمعي فقد غلب بفطنته دهاء الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الذي يعد المؤسس الثاني للإمبراطورية العباسية، وتقول حكاية شهيرة -بغض النظر عن معقوليتها ولكنها ذات دلالة واضحة- إن المنصور وعد من يأتيه بقصيدة لم يسمعها هو أو فتى أو جارية له أن يعطيه وزن ما كتبت عليه ذهبا.

عرف عن الأمير الأموي عبد العزيز بن مروان عشقه للغة العربية، فقد أتقنها حتى صار من أفصح الناس، وكان يجزل العطاء لمن يعرب كلامه، وينقص عطاء من يلحن ويخطئ

وكان المنصور يحفظ القصيدة من مرة واحدة، وفتاه يحفظها من مرتين، وجاريته من ثلاث مرات، وكلما جاءه شاعر متحديا وأسمعه قصيدة فشل، فالخليفة يؤكد له أنه يحفظها من قبل وكذلك فتاه وجاريته على الحكاية المشهورة حتى فطن الأصمعي للعبة وجاءه بقصيدة غاية في الغرابة لم يستطع الخليفة ولا أحد حفظها، وتبدأ بالأبيات التالية:

صوت الصفير البلبلي   هيج قلبي الثملي
الماء والزهر معا        مع زهر لحظ المقلي
وأنت يا سيدي لي       وسيدي ومولي لي
فكم فكم تيمني           غزيل عقيقلي

لكنه.. شاعر
وفي العهد العباسي أيضا كانت محنة خلق القرآن التي تسبب فيها الخليفة المأمون ورجال المعتزلة مرحلة مؤسفة من الإرهاب الفكري والديني لم تشهدها الدولة الإسلامية من قبل، وطالت المحنة العلماء الرافضين لمجاراة الخليفة -وهو أحد أكبر الخلفاء المثقفين في التاريخ- الذي أسرف هو ومن جاء بعده -وبرر لهم- في تكفير المخالفين وتعذيبهم إلى درجة القتل.

ومع ذلك تجنب المأمون حكاية ذات دلالة أن يعاقب شاعرا من أهل السنة هجا أستاذ الخليفة المعتزلي الشهير بشر المريسي بناء على طلب هذا الأخير:
- ويحك! لو كان فقيها لأدبته، ولكنه.. شاعر!

وهو تبرير مثير للاهتمام، ويلفت النظر إلى حذر الخليفة من خطورة الكلمة وأهل الشعر والأدب في زمنه، واستشعاره لدورهم الكبير في تشكيل الرأي العام.

لم يكن الحجاج مجرد عسكري سفاك للدماء، فهو من الرجال الذين تقام على أكتافهم الإمبراطوريات.. وفي العلوم كان روايا للحديث النبوي عن عدد من الصحابة والتابعين

المثقف السفاح
يبرز الحجاج بن يوسف الثقفي في صدارة الحكام والولاة العرب المثقفين رغم جبروته وقسوته وتساهله في سفك الدماء بالشبهة، حتى وصف بأنه "ميتم الأيتام.. ومرمل النساء.. ومفلق الهام.." لكنه مع ذلك كان لبيبا بليغا فصيحا، حافظا للقرآن، عالما بالحديث والشعر، وله حكم بليغة مثل "القبر بيت الوحدة وبيت الغربة" وكثير غيرها من الخطب البليغة، والنظرات الدقيقة مشهورة في كتب التاريخ.

ورغم جبروته كان الحجاج يخضع للحق في غير الصراع على السلطة عندما يحاججه الآخرون في مسائل علمية ولغوية، ويعضدون مواقفهم بالحجج الواضحة.

لم يكن الحجاج مجرد عسكري سفاك للدماء، فهو من الرجال الذين تقام على أكتافهم الإمبراطوريات، وإن له فضل التوجيه بتوسيع الفتح الإسلامي في أواسط آسيا حتى وصل إلى حدود الصين، وفي العلوم كان روايا للحديث النبوي عن عدد من الصحابة والتابعين، وينسب إليه الأمر بتنقيط المصحف الشريف، وكان معروفا عنه حبه للقرآن أساس البلاغة والعلم يومها، وإكرام أهله عليه.

وفي الجانب الحضاري كانت له إسهامات فهو الذي بنى مدينة واسط بالعراق، وفرض فيها نظاما حديديا سجن بسببه أحد البدو لأنه قضى حاجته في وسطها، ولما أفرج عنه بعد موت الحجاج أنشد:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط      (...) وصلينا بغير حساب

على أن أكبر عجائب الحجاج أنه رغم ما يمكن وصفه بالسلطة المطلقة التي كان يتمتع بها فإنه كان عفيف اليد في أموال الدولة، وروي عن الأصمعي أنه قال:
- ما كان أعجب حال الحجاج! ما ترك إلا دراهم ومصحفا وسيفا وسرجا، ورحلا، ومئة درع موقوفة للجهاد!

ولما علم الحجاج أن الناس كانوا يتمنون موته وينتظرون يومه على أحر من الجمر رد عليهم بمقولة نادرة في الحكمة قال فيها "ما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه.. إبليس إذا قال له: إنك من المنظرين".

المصدر : الجزيرة