أمير تاج السر

الزيارة التي قمت بها مؤخرا لمدينة بورتسودان، على شاطئ البحر الأحمر، حيث عشت الطفولة والصبا، وإشارات الكتابة الأولى ولملمت ما استطعت من جمر لأكتب به بعد ذلك، لم تكن زيارة عادية. كانت في الواقع زيارة لاستكشاف ما كنت اكتشفته سابقا، وضاعت معظم علاماته أثناء الاغتراب الطويل، لكن لحسن الحظ، تبدو الذاكرة أحيانا عنيدة جدا، بحيث لا تفلت أشياء مهمة عالقة بها، وتبرزها عند الضرورة.

مدينة بورتسودان، أو المدينة الساحلية كما أسميها في النصوص، هي المدينة التي ترد إلى ذهني بمجرد أن أبدأ كتابة نص معاصر، تماما مثلما ترد نيويورك إلى ذهن بول أوستر، والإسكندرية إلى ذهن إدوار الخراط، والقدس إلى أذهان كتاب فلسطينيين عديدين. وهكذا، ما أسميه سطوة المدن، واختيارها المتقن لكتابها الذين سيكتبون لها تاريخا وجغرافيا، ربما لن تتوفر بلا كتاب إبداعيين.

كانت بورتسودان ترد إلى ذهني بمعالمها القديمة بكل تأكيد، طرقها المغبرة الموحلة، بيوتها التي كانت واسعة في فناءاتها وضيقة في الغرف، خاصة البيوت التي كان يسكنها موظفو الدولة الصغار، حتى يكبروا وينتقلوا لبيوت أكثر رحابة، وفيها حدائق، وربما أحواض للسباحة. مستشفاها القديم الذي يحاكي القصور المهجورة، في قصص لأغاثا كريستي، ويحتل مساحة كبيرة في وسط المدينة، السينما التي كانت ملاصقة لبيتنا، حدائق الترفيه، مثل حديقة عبود وحديقة البلدية، حيث يتنزه الناس ويقضون أوقاتا طيبة.

منظر عام لبورتسودان على شاطئ البحر الأحمر (غيتي إيميجز)

وحين أتقدم بذاكرتي سنوات إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، حيث كنت كبرت، وأعمل في ذلك المستشفى العتيق، ولي عيادة في حي طرفي، عشوائي، لا تأتي بالمال ولكن بالحكايات، أجزم أن المدينة كانت تترنح بثقل الهجرات المكثفة التي شملتها من دول الجوار التي ابتليت بالحروب، ومن بعيد أيضا حيث يأتي الناس من الشمال والغرب، آملين في رزق وفير، سمعوا بتوفره في ميناء البلاد الرئيسية.

والآن، وبعد سنوات أخرى ممتدة منذ زمن التسعينيات، أرى لمدينة نصوصي الظاهرة بطعمها القديم، وطعمها الذي أضيف بعد ذلك، طعما جديدا تماما، إنه طعم الهوية المشتركة مع كثير من مدن العالم الآن، أي لا طعما مميزا على الإطلاق، أو فلنقل طعما جديدا تماما، منفصلا عن كل ما سبقه.

في البداية كنت أبحث عن منابع نصوصي، مثل العطر الفرنسي و٣٦٦، تلك المنابع التي كانت حقيقية ومرسومة في المدينة حتى عهد قريب، وليست مثل بيوتنا الأولى التي محيت منذ سنوات، ونبت مكانها برج إسمنتي قاس، احتلها واحتل السينما القديمة، حقيقة عثرت على حي غائب كما أسميه، وكان ما تركته حيا عشوائيا، الآن مخطط بطريقة جيدة، والبيوت فيه مبنية بوجاهة، خالية من النمش القديم المتمثل في الطين والصفيح، ويوجد سوق حقيقي، عامر بالسلع كأي سوق آخر، في حي عريق، لكن ما كان عيادة طبية، الآن سوبرماركت كبير، ممتلئ أيضا بالسلع.

كنت أشق بالعربة، مسافة خالية قاحلة، ومرعبة، خاصة في الليل، حين أخرج من ذلك الحي، والآن شققت المسافة نفسها، وكانت شارعا إسفلتيا، على جانبيه بيوت عالية ومضاءة، ولا خوف أو رعب كما كان سابقا، كان كل شيء قد تغير، وأظن الحكايات نفسها تغيرت، ولو أراد أحد أن يكتب الآن عن ذلك الحي، فلن نرى وجه العشوائية، أو غرابة الحكايات، أو تلك القصص غير المألوفة، المخبأة في البيوت الواطئة والحفر العشوائية، ولكن نرى سردا يخص المدينة العادية، المدينة التي توجد في السودان ومصر وأي مكان آخر في العالم.

في البداية كنت أبحث عن منابع نصوصي، مثل العطر الفرنسي و٣٦٦، تلك المنابع التي كانت حقيقية ومرسومة في المدينة حتى عهد قريب، وليست مثل بيوتنا الأولى التي محيت منذ سنوات، ونبت مكانها برج إسمنتي قاس

كان عبد الغفور من سكان ذلك الحي، ومن الذين اهتموا بالحكي الشفاهي، ولطالما طرقت بابه بحثا عن زاد، أو متعة، الآن لم يكن بيته موجودا، فقد زال في حمى إزالة الماضي، وبعث حاضر جديد، هو نفسه مات، ولم يكن يحكي قصص الموت أيضا، بل يحتفي بقصص الحياة الواسعة، الحياة التي عاشها بالفعل في حيه البسيط، والتي يتخيلها بما كان يملكه من خيال خصب، يقرب المسافات كلها.

ونحن طلابا ثانويين، وتحت حجر كبير، في ركن من أركان مدرسة البحر الأحمر التي كنا ننتسب إليها، عثرنا على رسائل مؤلمة وبديعة اللغة في نفس الوقت، رسائل من سمى نفسه المرحوم، إلى حبيبته أسماء، تلك الرسائل التي قرأناها وتوزعناها، وابتدأ بعضنا يستخدم ما حوته في حواره مع الفتيات، ثم لتركد في ذهني سنوات طويلة قبل أن تظهر في نص روائي.

لقد كنت حريصا على زيارة سور المدرسة، ومكان الرسائل، وكان من حسن الحظ أن المدرسة لا تزال قائمة، لكنها قديمة ومهملة، ومكدودة، أرهقها العمر، وتملك فقط خاصية بث الذكريات، بعكس زميلتها التي كان اسمها المدرسة الحكومية، والآن حولت لجامعة، طمست كل معلم قديم كان يوجد فيها.

لقد وقفت طويلا أمام ركن المرحوم، أستذكر ذلك اليوم البعيد الذي عثرنا فيه على الرسائل، وكأني أسمع صوت المرحوم يهمس: أسماء أيتها الومضة، أيتها الزهرة، السحابة التي لم تمطر.

معالم كثيرة موجودة في الذاكرة، أي في مدينة النصوص، التي أحتفظ بها في ذهني، لم تكن موجودة لكني كنت أسمع أصواتها بوضوح، تصرخ من الماضي، وأظنني لن ألوم أحدا في تبدل تلك المدينة، فكل المدن تتبدل وحتى القرى تتبدل، وقرى تحولت إلى مدن، والبشر يتبدلون أكثر، والكاتب الجديد الموعود بجرثومة جديدة، لكتابة مدينة مثل بورتسودان سيكتبها الآن، وسيأتي يوم في المستقبل، يتحسر على معالم في ذاكرته لن تكون موجودة أيضا.

المصدر : الجزيرة