حاوره/هيثم حسين


ينشغل الروائي الفلسطيني ربعي المدهون برصد جانب من التغيرات التي تطرأ على حياة الفلسطينيين وتفكيرهم ونظرتهم لواقعهم وتاريخهم بين الداخل والشتات، ويعتقد أن الحالة الفلسطينية فريدة، ومنفى الفلسطيني مغاير، لذلك تراه يحرص على مقاربة قضايا الهوية والانتماء والولاء بعد أكثر من ستة عقود على وقوع النكبة الفلسطينية.

ربعي المدهون صحافي وروائي فلسطيني مقيم في لندن يحمل الجنسية البريطانية، وهو من مواليد عسقلان 1945. خاض تجربة اللجوء والهجرة في طفولته، إذ هاجرت عائلته خلال النكبة عام 1948 إلى خان يونس في قطاع عزة. تلقّى تعليمه الجامعي في كل من القاهرة والإسكندرية، ولكن تم إبعاده من مصر سنة 1970 قبل تخرجه بسبب نشاطه السياسي.

عمل المدهون في عدة صحف قبل أن يستقر في جريدة  "الشرق الأوسط" اللندنية التي ما يزال يعمل فيها. حظيت رواية المدهون الأولى "السيدة من تل أبيب" باهتمام كبير، إذ وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2010، وفازت الترجمة الإنجليزية لها والتي صدرت عن تيليغرام بوكس بجائزة "بان" البريطانية للكتب المترجمة.

بمناسبة اختيار روايته الثانية "مصائر.. كونشرتو الهولوكوست والنكبة" ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر في دورة 2016 أجرت معه الجزيرة نت الحوار التالي:

 تهندس معمار "مصائر" بناء على حركات موسيقية، هل يأتي ذلك من منطلق تنوير القارئ بالجوانب الفنية للقطعة الأدبية، أو للإشارة إلى تكامل الفنون في إطار العوالم الروائية التي تأخذ منها لتقدم تصورها المختلف؟

لا أفصل بين الرواية والفنون الأخرى، وأستفيد من كونها شكلا أدبيا قادرا على استيعاب بقية الفنون وتوظيفها، أو على الأقل استعارة الكثير من تقنياتها. لكني بدلا من إدخال الموسيقى إلى النص (رغم وجود بعض الأغاني) قلبت المعادلة وحمّلت النص نفسه على قالب الكونشرتو الكبير، إذ وجدت فيه شكلا أكثر تمثيلا للنص من حيث حركته الداخلية المحسوسة وغير المنظورة، ومن حيث تقسيم الأدوار بين الشخصيات (شخصيتان/ آلتان في كل حكاية/حركة، تتفاعلان مع محيط من عناصر الواقع ومعطياته، والشخصيات الواقعية/أوركسترا).

ومثل هذا التآلف بين الحركات الأربع وسياقاتها "اللحنية/النصية السردية" أضاف بعدا معرفيا وآخر دراميا يمكن تلمسه في حراك النص الذي يقارب تفاعل الآلات الموسيقية داخل عمل أوركسترالي.

 

 تحرص على التجريب الفني والأسلوبي في عملك، وتُنوع في طرائق السرد، وتمازج بين اللغة الفصيحة واللهجة العامية، ألا تخشى أن يخلق هذا التجريب والتنويع إرباكا لدى القارئ؟

 على العكس تماما، كان التجاوب والتفاعل بيني وبين القراء سريعا ووديا وعميقا. والموجة الأولى من القراءات التقت على القول بأنه على الرغم من تنوع السرد وطرائقه واستخدام تقنيات متعددة ومتداخلة احتفظ النص بسلاسته، ولم يفقد القارئ قدرته على التركيز والتواصل معه حتى الصفحة الأخيرة. ومن تجربتي في "السيدة من تل أبيب" والآن مع "مصائر" تأكد لي أن استخدام العامية يضفي تنويعا في السرد وقيمة جمالية ويجعل القارئ أكثر ألفة معه حيث يتلمّس مناخات بيئته الطبيعية.

هنالك نوع من الإيهام بأن بعض شخصيات روايتك (وليد دهمان، فلسطيني تيس، باقي هناك، باسم)، مستقاة في بعض التفاصيل من سيرتك، كما تدخل اسمك الصريح كشخصية روائية أيضا، أين برأيك تتداخل السيرة والرواية وأين تفترقان؟

 ما يبدو للقارئ سيرة شخصية، قد لا يكون كذلك أبدا. وفي أسوأ الأحوال هو سيرة إحدى الشخصيات لا سيرتي. ولا يمكن هنا اعتبار تجوال وليد دهمان على عدد من المدن جزءا من سيرة الكاتب، لأنه يستند إلى تجواله الذي كان ضروريا لرسم هذه المشاهد قبل إضفاء متخيل عليها.
أما ظهوري كشخص باسمي الصريح، فهو ظهور "هتشكوكي" اقتصر على مشهد وحيد في مطار بن غوريون في اللد. وقد ظهرت للإدلاء بشهادتي على ما يعانيه الفلسطيني، ليس في مطار إسرائيلي بل في المطارات العربية أيضا.

تصور مفارقة الفلسطيني المتشظي الهوية وترحاله بين مدن فلسطينية عدة عبر إعادة الشخصيات إلى فلسطين والقيام باكتشاف المكان من جديد، كيف كانت بالنسبة إليك تلك العودة؟

الحالة الفلسطينية فريدة ومنفى الفلسطيني مغاير. وهو غالبا ليس اختياريا. وبالتالي تختلف عودته. يواجه بداية "صدمة المكان"، حين يباغته التاريخ بكل تراجيدياه ونكباته، حاضرا في جغرافيا ليست ما في الذاكرة أبدا.

الغريب أنني شعرت بأنني في فلسطين حقيقية. وبأن كل من فيها هم نسيج متنوع من الفلسطينيين. ولا أدري سبب هذا الشعور. وربما كان نوعا من الرفض السيكولوجي لرؤية واقع ليست له ملامح الذاكرة. ثم إنني تحركت في أوساط ومدن وقرى وأماكن ظلت فلسطينية. كل ما رأيته من مشاهد خلال زياراتي مر عابرا في تاريخ أظن أنه عابر.

كيف تجد التناقض الذي يسكن العائد كمكتشف لبلده، وذاك الآخر المقاوم للتغييرات التي يدخلها الصهاينة بغية تزوير التاريخ؟

  لا أرى تناقضا بين العائد والمقيم في وطنه. فاختلاف الظروف المعيشية والاغتراب حتى لو
امتد إلى أكثر من خمسين عاما كما في حالتي قد يفقد الفلسطيني تواصله الجغرافي، حيث تخضع بلاده لتغييرات كثيرة "في غيابه"، لكن هذا لا يمس التاريخ ومخزونه في الذاكرة وتراكماته اليومية، حتى من مسافات تمتد في عمق الحنين.

وقد قبل الفلسطينيون منذ زمن طويل تقاسم حصصهم من النضال: كل وفق ظروفه وكل حسب طاقته. بينما تولد قوة الانتماء رفضا للواقع الجديد الاستعماري يتجسد في اجتياح العائد موجات تسونامية من مشاعر وطنية. إن الشعور بـ"أنني في بلدي" لا يفارق العائد أبدا.

 كيف تنظر إلى دور الجوائز في تصدير العمل الإبداعي وتسويقه وتسليط الأضواء عليه، وخاصة جائزة البوكر؟ وماذا يعني لك اختيار روايتك ضمن القائمة القصيرة؟

من دون شك، خلقت الجوائز خصوصا الجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة بـ"البوكر العربية" وضعا غير مسبوق في عالم الكتابة والنشر. فقد أوجدت للمرة الأولى حوافز مادية وأخرى معنوية، ورفعت معدلات القراءة، وحرضت على تشكيل نواد ثقافية ومجالس للقراءة ونشطت حركة النقد والمراجعات والجدل في الأوساط الأدبية، وصارت طقسا يحرص الناس على متابعته والاحتفال به.
كل هذا يجري في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت أداة إعلام وإعلان للكاتب والناشر، وأكثر وسيلة تواصل فعالة بين الروائي وجمهوره من القراء. في ظروف كهذه يتجاوز اختيار روايتي "مصائر" للقائمة القصيرة الاعتراف بأهميتها بين الروايات الصادرة أخيرا، ليمثل أيضا تثبيتا لقدمي في عالم الرواية الذي دخلته قبل ذلك برواية أولى هي "السيدة من تل أبيب" التي شكل وصولها إلى القائمة القصيرة عام 2010 حدثا أدبيا وتحديا كان علي أن أواجهه، وأتجاوزه.

المصدر : الجزيرة