*أمير العمري

كان من المحتم أن تنتقل ظاهرة "الربيع العربي" أو الثورات العربية التي اندلعت وراء بعضها منذ 2011، إلى الشاشة العربية من خلال عدد من الأفلام الوثائقية والروائية. 

ولكن على حين يستطيع الفيلم الوثائقي بحكم طبيعته واعتماده على ما يسمى بـ"نقل الواقع" أو تسجيله، اللحاق بالحدث بشكل أو بآخر، تتأخر السينما الروائية بعض الوقت في التعبير عن تلك الأحداث الكبيرة، ليس فقط لأن الخيال يتطلب وقتا لكي يختمر في أذهان صانعي الفيلم الروائي تماما مثل الكاتب الروائي الذي يتعين عليه أن يعيش التجربة ثم تتاح له مساحة خاصة للتأمل في مغزاها وتداعياتها، بل لأن هذه "التداعيات" تحديدا التي اتخذت مسارا مخالفا لما أرادته الثورات العربية التي فجرها الشباب العربي أساسا، ما زالت  تتفاعل على أرض الواقع، وما زلنا غير قادرين تماما على رؤية ما ستسفر عنه الصراعات الممتدة بين الثورة والثورة المضادة، وبين القوى الثورية الشبابية الجديدة، والقوى المرتبطة بالأنظمة القديمة التي تتشبث بكل قوتها بالسلطة بعد أن تلقت ضربة قاصمة.

تطورات الربيع العربي منذ خمس سنوات وجدت صدى متباينا في الشاشات العربية (الجزيرة)

السينما الوثائقية
في تونس كان "يا من عاش" للمخرجة هند بوجمعة من أوائل الأفلام الوثائقية التي حاولت التوثيق لمفهوم الثورة، وليس للثورة في حد ذاتها رغم احتوائه على الكثير من مشاهد المظاهرات والصدامات العنيفة بين المتظاهرين والسلطة.

يقدم ذلك العمل "صورة" لشخصية هامشية، تعيش مرحلة ما بعد الثورة، لا تخشى أن تتحدث بصراحة في مواجهة الكاميرا عن أدق تفاصيل حياتها، موجهة نقدا شديدا وتلقائيا بلسان امرأة غير متعلمة، من بسطاء الشعب، إلى حكومة ما بعد الثورة، بل إلى النظام السياسي كله الذي تعتبره نظاما ظالما جاء فقط من أجل إرضاء الأثرياء والمحافظة على مصالحهم.

يبدأ الفيلم من 14 يناير/كانون الثاني 2011، يوم هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والإعلان عن "سقوط النظام". ويتابع محاولات تلك المرأة المتمردة، التي تحررت من قيود الزوج والأسرة والعشيرة والنظام، البحث عن فرصة للعمل، للحياة، للوجود، لكنها تواجه الصد والإحباط فالتغيير السياسي الذي يفترض أن يكون قد حدث لم ينعكس عليها، لكنها ما زالت تتشبث ببصيص أمل فيما هو قادم.

نجحت هند بوجمعة فيما فشل فيه كثيرون غيرها من مخرجي الأفلام الوثائقية الذين يخلطون بين الريبورتاج التليفزيوني الإخباري والفيلم الوثائقي. فالريبورتاج يقوم أساسا على تقديم المعلومات بطريقة متوازنة، بينما يبتكر صانع الوثائقي سياقا لرواية الحدث، وقد يستخدم الممثلين أو الرسوم أو البيانات الغرافيكية والصور الفوتوغرافية ومقاطع من الأفلام الروائية وغيرها لتشكيل رؤيته.

اتضحت هذه المشكلة مثلا في فيلم "الثورة خبر" للمصري بسام مرتضى الذي يصور أسلوب وطريقة عمل ستة من الصحفيين خلال أحداث ثورة يناير 2011، ويمتلئ بالمقابلات مع لقطات ليلية لتظاهرات ميدان التحرير وسط القاهرة.

نوري بوزيد عالج الموضوع بفيلم "مانموتش" المتميز بوضوح رؤيته (الجزيرة)

في الوقت نفسه أصر كثير من المخرجين الذين صوروا أفلاما وثائقية تسجل أحداث الثورة في مصر، على الحضور الشخصي المباشر أمام الكاميرا في معظم لقطات الفيلم. هذا على سبيل المثال ما فعله علي الغزولي في فيلمه "الشهيد الميدان" (2011)، وأحمد رشوان في "مولود في 25 يناير"، كما ظهر عمر الشرقاوي وكريم الحكيم مخرجا فيلم "نصف ثورة" في فيلمهما، والهدف هو التأكيد على فكرة الرؤية الذاتية، وعلى العلاقة بين المخرج وبين المادة التي يصورها.

وفي 2011 أخرج عشرة مخرجين مصريين عشرة أفلام ضموها في فيلم واحد طويل، هو فيلم "18 يوما" للتعبير عن إحساسهم بما وقع في مصر من زلزال سياسي في 25 يناير 2011، من خلال الأسلوبين الروائي والوثائقي. لكن هذه المحاولة تفاوتت في مستوياتها وفي قدرة مخرجيها على التعامل مع الموضوع.

وكان من الغريب أيضا أن تضم قائمة هؤلاء المخرجين اسم شريف عرفة الذي كان وراء الأفلام الدعائية التي استخدمها الرئيس المخلوع حسني مبارك في الترويج لصورته في آخر انتخابات رئاسية وضعته للمرة الخامسة على رأس السلطة قبل تنحيه.

وعلى الرغم من الحملة التي تعرض لها فيلم "الميدان" لجيهان نجيم الذي رشح في 2013 للأوسكار، واتهام مخرجته باتهامات شتى وصلت إلى تهمة العمالة، يظل هو الفيلم الوثائقي الأفضل من أفلام الربيع العربي، بسبب توازنه الدقيق وموضوعيته وحياديته واحترافية بنائه وصوره في عرض موضوعه.

السينما الروائية
على الصعيد الروائي قدم المخرج التونسي نوري بوزيد فيلم "مانموتش" (2013) الذي يتميز بوضوح رؤيته، وتعبيره دراميا من خلال الشخصيات المتباينة المرسومة جيدا في السيناريو، وسيطرة بوزيد على إدارة الممثلين وتحريك الكاميرا والاستخدام الجيد لقطع الديكور. وكان الفيلم محاولة صادقة لتقديم صورة رمزية للتناقضات الاجتماعية في تونس قبل وبعد ثورة "الياسمين"، على مستويات طبقية مختلفة.

جيهان نجيم تعرضت لشتى الاتهامات بسبب فيلمها "الميدان" (الجزيرة)

وفي فيلم "الشتا اللي فات" (2013)، يقدم المخرج المصري إبراهيم البطوط رؤية بصرية متميزة عن ذلك الغضب المشحون الذي ظل يتصاعد وصولا إلى انفجار الثورة في يناير 2011، ويقدم شهادة مؤثرة بليغة عن "عصر القهر" والتعذيب والرعب الذي يعيشه المصريون في ظل "الدولة البوليسية" منذ أكثر من ستين عاما، فتفكيك هذه الدولة القمعية لا يتم إلا من خلال سلطة ثورية حقيقية تدعمها الجماهير. ولعل فيلم البطوط بهذا المعنى لا يزال شديد المعاصرة!

ويصور فيلم "سقف وغطا" للمخرج أحمد عبد الله رحلة طويلة يقطعها شاب يعيش في عالمه الخاص خلال الليل في القاهرة وقت الثورة، لكي يكتشف ما لم يكن يعرفه عن مدينة القاهرة، بكل تناقضاتها وانصراف بسطائها إلى حياتهم العادية وهم يحاولون التماسك في ظل ظروف قاسية، عاكسا فوضى ما بعد الثورة. ويبدو وكأن الثورة لا تغير شيئا في حياة هؤلاء البسطاء الفقراء المهمشين.

الفيلم يقدم صورة لتلك الفوضى التي نشأت بعد انهيار نظام مبارك واستيلاء الجيش على السلطة، قتل الناس في الشوارع، بينما يتفرج الجيش بل وتشارك دباباته في قصف الأبرياء بدلا من إنقاذهم، كما يقول أحدهم في شهادة مباشرة أمام الكاميرا. الاعتداءات التي تحدث بين المصريين حتى داخل المساجد.. أجواء حظر التجوال وجنود الجيش منتشرون في الشوارع.. طبيب يعالج المصابين داخل المسجد.

إنه رغم رؤيته القاتمة، أهم وأفضل ما صنع من أفلام روائية عن الثورة.. لكن الطريق لا يزال طويلا وشاقا، فالتفاعل اليومي للأحداث يسبق كثيرا خيال السينمائيين. سيقتضي الأمر مرور وقت طويل قبل أن تتبلور السينما الروائية العربية في أفلام ترسخ في الذاكرة.
_________________
*كاتب وناقد سينمائي من مصر

المصدر : الجزيرة