أمير تاج السر

انشغل المثقفون في الأيام الماضية بمسألة الحكم على الكاتب المصري الشاب أحمد ناجي بالسجن عامين بسبب حرية تعبيره، حين كتب رواية تحدث فيها بجرأة مطلقة وألفاظ لا تستخدم غالبا في الأدب، ورأى من قدّم الشكوى أن ذلك خدش للحياء العام، وبالتالي حُكم عليه بذلك الحكم.

قبل ذلك سُجن شاعر قيل إنه يستخدم حرية التعبير، وقالت المحكمة شيئا مغايرا، وهكذا كثيرون، يكتبون في كل يوم ما يمكن أن يقترب أو يقترب بالفعل من الخطوط الحمراء للكتابة، خاصة في موضوع الدين والجنس، بعد أن أصبحت السياسة أمرا عاديا، يمكن التطرق إليه من دون خوف.

ويوجد دائما من يرصد ذلك النوع من الكتابة، ويقدم الشكاوى، وربما يتحرك غضب شعبي هنا وهناك، إن كان في الأمر تعرض مباشر للدين -كما حدث من قبل في رواية عربية- غلى الشارع العربي حين نشرت.

في الحقيقة، إن موضوع حرية التعبير يبدو شائكا، وشديد الغموض، فلا توجد قياسات معينة يمكن أن نعدّها تلائم تعبيرا حرا، ولا قوانين محددة تعتقل هذا التعبير وتعفو عن ذلك؛ المسألة -في تقديري- نسبية للغاية، الفعل الذي أعدّه عاديا، يراه غيري جريمة، العادة التي تبدو هنا خادشة للحياء العام، هي في مكان آخر عادة عادية وأحيانا جيدة للغاية، ويحتذى بها.

وأذكر حين كان والدي يعمل في جنوب السودان، وكنا نسافر بالباخرة النيلية حتى مدينة جوبا، أن شاهدت وأنا طفل صغير رجالا بالمئات يتمشون على شاطئ النيل الأبيض عراة تماما، وهناك نساء يمشين قربهم، ولا يوجد ما يمكن أن يكون حياء لدى النساء يُخدش في تلك الأيام؛ فالعري كان عادة قبلية هناك، وعدم الانتباه للعري يبدو عادة أيضا.

إذن هناك خدش حياء مفترض، سقط عن القوانين.

بالنسبة لي شخصيا، لا أحب أن يكتب الشارع ببذاءته وتهوره الكبير في العمل الأدبي، وفي  الوقت نفسه لا أجد السجن عقوبة موضوعية لمن يكتبه

بالنسبة لفعل القراءة، فهو فعل اختياري، بمعنى أن القراءة لا تدرس في المدارس الابتدائية للأطفال الصغار، ولا تملك ساقين تركض بهما إلى بيوت الناس، وبالتالي فإن ما يمكن أن يخدش حياء البعض يظل بعيدا لمن أراد أن يبقي حياءه نظيفا من الخدش، وعلى الذين يهوون قراءة العري واللغة غير المؤدبة أن يسعوا إليها بأنفسهم. حتى في زمن الإنترنت، ووجود النسخ الإلكترونية المتاحة للكتب، يمكن لأي قارئ أن يختار ما يقرؤه، وينبذ ما لا يريد قراءته.

بالنسبة لي شخصيا، لا أحب أن يكتب الشارع ببذاءته وتهوره الكبير في العمل الأدبي، وفي الوقت نفسه لا أجد السجن عقوبة موضوعية لمن يكتبه، وكما قلت هو كتب ما يريد كتابته وعلى الذي لا يريد القراءة ألا يقرأ، وانتهى الأمر.

هناك أشياء أكبر أراها جرائر أكثر من جريرة الكتابة العارية، ومع ذلك لا يعاقب مرتكبوها بهذه الطريقة، أو حتى لا يتم اصطيادهم بسهولة، لأن الفعل غالبا غير موثق، فالتحرش بالأنثى مباشرة، سواء بالقول أو الفعل جريرة اجتماعية، وأخلاقية، ينبغي أن تكون عقوبتها فادحة، ويقتنص من يرتكبها بكل السبل.

سب الدين في الشوارع علنا، سواء كان بجدية أو بمزاح أمر لا يستهان به، ولطالما سمعنا ذلك ونسمعه كل يوم، ويعيش الذين يرددونه بحرية مطلقة من دون أن يسألهم أحد. وحتى هذه الألفاظ التي كتبت في الرواية، فهي تردد باستمرار في الشوارع، ويسمعها حتى القاضي الذي حاكم الكاتب، ولا يتخذ ضدها أي إجراء.

كنت في إحدى المرات في الخرطوم، وتوقفت في محطة للبترول لأعبئ خزان العربة، وكنت أصحب عائلتي معي، وفوجئت بأن عامل المحطة يتبادل المزاح الشوارعي مع صديق له، وكانا يرددان ألفاظا لا يمكن لأي حياء يسمعها إلا أن ينخدش، فنزلت من العربة وتحدثت معهما بانفعال، فرد علي العامل قائلا: نحن في الشارع يا سيد، ونقول ما نريد، وعلى الذي لا يود سماعنا أن يبتعد أو يجلس في بيته، وبالفعل كنا في الشارع للأسف، وأي تعد آخر مني على العامل كان سيعد جريرة أساءل أنا من أجلها.

الكتابة في مجملها وطوال عصورها، تحمل ما يظنه البعض جيدا ويظنه آخرون رديئا، والعكس، والكتّاب أمزجة وأهواء، يكتبون ما يرونه مناسبا لهم

موضوع الأدب، أي الكتابة الأدبية، يبدو من الاسم أن هناك تعابير جيدة، وأسلوبا جزلا، سلسا، وحتى في مواضع الشر لا بد من شر يصاغ بكلمات جميلة، وإن حدث وغضب أحد وأراد أن يسب الآخر، فقطعا يسبه بطريقة الأدب التي لا تصدم قارئ النص صدمة سلبية.

وبغض النظر عن مسألة النسبية في خدش الحياء الذي يختلف من تذوق لآخر كما ذكرت، فإن الكاتب عموما ينبغي أن يلتزم بطريقة الأدب، وإن لم يلتزم لا مشكلة إطلاقا، فقط عليه أن يحتاط للأمر جيدا، فليس كل من يقرأ يفهم نسبية الخدش، ولا توجد أي مبررات يستطيع الكاتب أن يسوقها أمام المجتمع حين يصبح كله سيوفا مسنونة ضده.

هناك كتاب ألماني جيد جدا عنوانه "أدباء أمام المحاكم"، ترجمه الصديق سمير جريس، ونشر في مشروع كلمة الإماراتي لترجمة الآداب العالمية، كما أذكر، ويتحدث عن عشرات الأدباء الألمان الذين وقفوا أمام المحاكم، وصدرت في حقهم أحكام متفاوتة، تبدأ من السجن شهورا قليلة، وتنتهي بالإعدام، وكانت كلها لأمور تتعلق بالجنس، والسياسة، والدين، وهي مواضيع كان تداولها محرما في تلك العصور الماضية من تاريخ الغرب، وحتى عهد قريب، لدرجة أن هناك رواية تتحدث عن سيرة عاهرة، ووصفت بخدشها للحياء العام، ولم يستدل أحد على كاتبها الحقيقي حتى اليوم، بالرغم من انتشارها.

لقد كانت أوروبا تملك تلك الحساسية المتفاوتة تجاه الحياء وخدشه إذن، وكانت قوانين صيد المبدعين شرسة، ومتألقة، ولا بد أن الرعب فعل بكاتب الرواية المجهولة فعله، فلم يفصح عن نفسه، وظل اسمه مجرد تكهنات فقط.

أخلص أخيرا إلى أن الكتابة في مجملها وطوال عصورها تحمل ما يظنه البعض جيدا، ويظنه آخرون رديئا، والعكس، وأن الكتّاب أمزجة وأهواء، يكتبون ما يرونه مناسبا لهم، وتبدو بعض الكتابات شاذة عن القاعدة ومعتوهة، لكن أن يسجن كاتب خدش خطا أحمر فهذا لن يمنع ما كتبه، ولن يمحوه، على العكس، يزيد ما كتبه توهجا، أيضا السجن في حد ذاته لا يشبه عقوبات الكتابة في شيء.

المصدر : الجزيرة