ياسين بودهان-تيزي وزو

تخليدا للذكرى الــ27 لوفاته، احتضنت مدينة تيزي وزو الجزائرية احتفالا بالكاتب مولود معمري (1917-1989) مستكشف "أهليل قورارة"، تقديرا لجهود الرجل في الحفاظ على هذا التراث المدرج من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) ضمن قائمة التراث اللامادي للإنسانية.

و"أهليل قورارة" تراث شعبي يمزج بين الموسيقى المتعددة النغمات وبين الشعر والرقص، وسمي بــ "قورارة" نسبة إلى "قورارة" الواقعة بولاية أدرار بعمق الصحراء (1400 كلم جنوب غرب الجزائر العاصمة)، ويشترك في أدائه خلال المناسبات الدينية والاجتماعية الرجال والنساء، يرددون نفس الأشعار والكلمات مع مرافقتها بالتصفيق، وبحركات للجسد تتناغم مع الألحان.

وتطغى على موشحاته القصائد والأناشيد الصوفية والدينية باللغة الأمازيغية الزناتية، مع أشعار تبرز تاريخ سكان المنطقة وما تزخر به ذاكرتهم الجماعية من ملاحم وبطولات، إلى جانب أغان مرتبطة بتفاصيل من حياتهم اليومية، كما يتغنى بعضهم بنصوص قديمة، ومن أشهر شيوخه حاليا الحاج فولاني بركة.

مشاركون بمحاضرة في تيز وزو (شرق الجزائر) عن جهود مولود معمري في استشكاف تراث أهليل قورارة (الجزيرة)

درج النسيان
ويعد معمري -الذي كرّس حياته للبحث والتنقيب في ثقافة الأمازيغ، وكان سببا في اندلاع أحداث الربيع الأمازيغي في جامعة تيزي وزو عام 1982 بعد منعه من إلقاء محاضرة- أحد الذين انتشلوا هذا التراث من درج النسيان من خلال إنشاء فريق بحث متخصص لجمع التراث الشفوي للمنطقة، والذي توّجه بكتاب "أهليل قورارة".

وتقديرا لجهده، احتضنت دار الثقافة "مولود معمري" بمدينة تيزي وزو أياما دراسية تختتم اليوم الأحد سلسلة ندوات ومحاضرات، تبرز مساهمته في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي.

وأبرز الأثري والباحث في التراث الثقافي الأمازيغي حميد بيلاك أن جهود معمري هي التي كانت سببا في إدراج هذا الموروث ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي للإنسانية في 2008، وهي القائمة التي تضم تراثا من دول عربية أخرى على غرار البرعة لسلطة عمان، والمقام العراقي، والحكاية الفلسطينية، وملحة السيرة الهلالية لمصر، وموسم طنطان المغربي، والغناء الصنعاني اليمني، وتربية وصيد الصقور في قطر والسعودية والإمارات.

وحسب حديثه فإن معمري يقّسم مراحل أداء أهليل لثلاثة أجزاء هي "المسرب" الذي يدوم إلى غاية منتصف الليل، و"أوقروت" الذي يبدأ من منتصف الليل حتى نهاية الليل، "وتيترا" الذي يبدأ من البدايات الأولى للصباح وحتى بزوغ الفجر.

خيراني نور الدين دعا لمواصلة الجهود التي بدأها معمري للتعريف بأهليل قورارة (الجزيرة)

متنفس وعلاج
إسهام معمري في تثمين هذا الموروث الثقافي يتجلى، حسب الباحث الدائم في المركز الوطني للأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران خيراني نور الدين، في "دراسته للجانب الأنثروبولوجي والسوسيولوجي واللساني، واستكشافه الجذور التاريخية لهذا المصطلح ولمختلف الاشتقاقات اللغوية له".

وبيّن أن معمري من خلال رصده لمختلف الطقوس والممارسات التي تبدأ مع الفترة المسائية وفي كل يوم، كشف أن لـ"أهليل" وظيفتين: الأولى اجتماعية وعلاجية من خلال توفير متنفس وعلاج روحي للسكان من معاناتهم اليومية في ظل الطبيعة القاسية للمنطقة، فحياتهم اليوم -يقول للجزيرة نت- هي "معركة حياة أو موت، في ظل ندرة المياه والحر اللافح".

والوظيفة الثانية رمزية حيث إن "التمسك بهذه الطقوس يثبت أن سكان قورارة يرفضون فكرة القطيعة مع التاريخ، وهم متمسكون بوجودهم وبثقافتهم لذلك هم يتوارثونها جيلا عن جيل".

ودعا خيراني الباحثين إلى مواصلة الجهود التي بدأها الباحث معمري من أجل التعريف أكثر بهذا الموروث الثقافي.

وخلافا لما هو شائع من أن "أهليل" كلمة مشتقة من "أهل الليل"، كونها تمارس ليلا وتحت ضوء الهلال أو القمر، أكدت الباحثة مليكة أحمد زايد أن "كلمة أهليل مشتقة من أهلل التي تعني التهليل لله عز وجل وشكره على نعمه".

لكن الباحث بيلاك يرجح تفسيرا آخر مفاده أن أهليل كان يطلقها سكان بعض القرى بمنطقة القبائل الكبرى على الشباب الذين يتسامرون في ليالي رمضان، وبعد انتهاء سمرهم يجوبون الشوارع، مرددين أغاني وقصائد لإيقاظ الناس للسحور.

المصدر : الجزيرة