وديع عواودة-كفرمندا


نادر زعبي معلم فلسطيني من قرية كفرمندا داخل أراضي الـ 48  يبادر على نفقته الخاصة لتأسيس مركز التراث والتوثيق، وهو عبارة عن متحف فريد يوثق بقاء وصمود فلسطينيي الداخل أمام كل التحديات.

المتحف الذي يستقبل الكثير من الزوار وطلاب المدارس يحتوي على كمية ضخمة ومتنوعة من الموجودات التراثية الخاصة بحياة الفلسطينيين والوثائق التاريخية. ولكل واحدة من موجودات المتحف القائم في الطابق الأول من البيت حكاية تنسج رواية إنسانية ووطنية عن بقاء شبه مستحيل رغم التحديات.

ومن الموجودات النادرة وثائق عثمانية وانتدابية، نقد ورقي ومعدني فلسطيني، جوازات سفر عثمانية وفلسطينية انتدابية، وجواز مصري من زمن الخديوي إسماعيل.

ومن الوثائق اللافتة مذكرة من الوالي العثماني في بيروت لكافة المخاتير في المنطقة حول النظم الإدارية المطلوبة، وأختام عثمانية من القرنين الـ18 والـ19.

وتروي عدة وثائق نضال فلسطينيي الداخل ضد الحكم العسكري الذي امتد حتى 1966، وفي واحدة منها يطالب أهالي بلدة الطيرة إسرائيل بإلغاء الحكم العسكري الذي "يحط من كرامتنا القومية ويحرمنا من أبسط حقوق الإنسان".

جانب من الموجودات النادرة والغنية بالدلالات التي يعج بها متحف المعلم نادر زعبي في كفرمندا داخل أراضي الـ 48 (الجزيرة)

وعن كيفية جمعها، يقول زعبي إنه يلف بين الأرياف بحثا عن الأدوات والتحف والموجودات الأثرية بعضها نادر، كـ غليون كان يتبع لوالي عكا أحمد باشا الجزار من القرن الـ18.

وهناك زاوية في صدر المتحف يعتز بها زعبي، وبها عقود زواج بتوقيع الشيخ المجاهد عز الدين القسام الذي عمل مأذونا وإماما في مسجد الاستقلال في حيفا التي وصلها من سوريا بعشرينيات القرن الماضي حتى استشهاده عام 1935.

وهناك طوابع بريدية عربية وعثمانية ومجلات من القاهرة وبيروت ودمشق صدرت مطلع القرن العشرين بينها "الهلال"، "السلوى"، "المعارف" إضافة لصحف فلسطينية في فترة الانتداب.

من هذه الصحف صحيفة "الاتحاد" التي ما زالت تصدر في مدينة حيفا تباعا منذ 1944، وهي الصحيفة الفلسطينية اليومية الوحيدة في أراضي الـ 48 وتنطق بلسان الحزب الشيوعي.

في العدد الأول من "الاتحاد" استهل المؤرخ والكاتب الشيوعي الراحل إميل توما افتتاحيتها بالآية قرآنية ".. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..".

وبطبيعة الحال، يحتضن المتحف الغني بمضمونه جناحا للزراعة في الأرياف الفلسطينية لا تقتصر على المحراث  الخشبي أو على المطحنة الحجرية للدقيق (الجاروشة ) المتوفرة كتحفة أثرية بكثير من بيوت الفلسطينيين اليوم.

متحف رغبي يعج بوثائق تؤرخ لحياة الفلسطينيين يعود بعضها لمطلع القرن العشرين (الجزيرة)

مفاتيح العودة
وبوسع الشباب الزائرين للمتحف التعرف على طبيعة المعيشة اليومية للإنسان الفلسطيني قبل النكبة، وبالعقدين التاليين لها، وتذكّر مفاتيح العودة المعلقة على الجدران بكارثة الفلسطينيين الوطنية، وذلك بفضل عرض كل مقومات الحياة في البيت والمطبخ الفلسطينيين كمقاعد القش وخابية الزيت والقمح وزير الماء وكوارة العسل والقدورة والمغمقان والطبق والقبعة، وغيرها من الأدوات المصنوعة من سيقان نبتة القمح.

ويستعيد المتحف مشاهد مواسم الحصاد في الأرياف الفلسطينية بكل لوازمه من أدوات ومواسم قطف الزيتون. ويمتاز القسم الخاص بوسائل الإضاءة القديمة بثرائه من الأسرجة والقنديل واللوكس والبريموس.

أما القهوة رمز الضيافة العربية، فتحظى بجناح بارز يليق بها، وتعرض فيها أواني إعدادها وتقديمها من المحماص والطاحون حتى الفنجان.

ولم يكتف زعبي بكل هذه الموجودات التي يجمعها على نفقته بجهد النملة، فبادر لبناء جناح جديد يجسّد البيت الفلسطيني التراثي وملامح القرية حول "عين البلد".

ويتابع بلهجة مليئة بالاعتداد والرضا "وجدت بعض التحف النادرة في سلات المهملات منها ثريات بلورية نادرة عمرها مائة سنة وأكثر في بلدة كفركنا".

ويوضح زعبي الذي يستقبل الزوار بعد ظهر كل يوم أن ما دفعه لبناء هذا المركز الرغبة بسد الفراغ الناجم عن سياسات الأسرلة داخل المدارس العربية، والمساهمة في تطوير انتماء الطلاب لشعبهم وأمتهم وحضارتهم وحماية التراث الفلسطيني من الاندثار.

المصدر : الجزيرة