حاوره/ نزار الفراوي

دأبت قوائم جائزة البوكر للرواية العربية على تقديم أسماء مغمورة في المشهد الأدبي، فضلا عن الروائيين المكرسين. وفي القائمة القصيرة لهذه الدورة، يظهر اسم طارق بكاري، وهو كاتب مغربي شاب لم يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر، يعيش مجدا مبكرا مع البوكر بنصه الروائي الأول، هو الآتي من هامش الكتّاب المبدعين في صمت داخل الساحة الأدبية المغربية.

يعدّ طارق بكاري اختياره ضمن القائمة القصيرة للجائزة خطوة مهمة في مساره الأدبي، ويراه دليل انتصار للنص الأدبي لا لكاتب يحمل هذا الاسم أو ذاك.

بالنسبة له، "نوميديا" نص ومشروع يجسد طموحه لكتابة جديدة، سواء على مستوى المضامين أو على مستوى معمار الرواية، يقدمها رحلة غوص في النفس البشرية حينا، وتوغلا عميقا في المكان والمجتمع والميثولوجيا، أحيانا أخرى.

أما عن العوالم السوداوية التي تشيّع كائنات الرواية نحو مصائر مظلمة فنائية، فلا يخفي طارق بكاري أن للسواد سحره الخاص، وأن الأدب الحقيقي لم يكن يوما ما معنيا ببث الأمل بين الناس.

الأدب -بحسبه- يوقع شهادة إدانة للواقع وللإنسان حين يبطش بأخيه الإنسان. وفيما يأتي نص الحوار:

 ما دلالة أن يحتل عملكم الروائي الأول "نوميديا" مكانته ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر التي اعتادت استقطاب أسماء معروفة في الإبداع الروائي العربي؟

الحقيقة أن للأمر أكثر من دلالة، لعل أهمها أن لجنة الجائزة انتصرت للنص الأدبي الجميل بعيدا عن أي حسابات أخرى خارج النص، وهذا معروف عن هذه الجائزة في دوراتها السابقة، كما أن وصول "نوميديا" للقائمة القصيرة هو انتصار للنص الشبابي، وكذلك انتصار للأدب المغربي وخطوة أكثر من مهمة في مساري الإبداعي.

 يثير تزايد الاهتمام الإعلامي بالجوائز الأدبية والإقبال المتنامي من لدن الكتّاب على المشاركة فيها، سؤال الإضافة التي تقدمها هذه الجوائز للحركة الإبداعية في العالم العربي، في ظل تخوف البعض من أن يصبح الكاتب صياد جوائز، يكتب بمزاجها ومراعاة لأفقها. فما رأيك في هذه الظاهرة؟ 

أعتقد أنها ظاهرة صحية وتعويض عن ضعف المبيعات، وبالتالي فهي مهمة بالنسبة للكاتب والناشر على السواء، ولا أعتقد أن الكاتب الذي يحترم نفسه ويحترم الكتابة سيكتب وفق معايير وداخل إطار مرسوم سلفا، ولا أعتقد أن الجائزة تحفل كثيرا بوضع معايير.

"نوميديا" رواية تستقي من عوالم مختلفة، وتطمح إلى التجديد، سواء على مستوى المضامين أو على مستوى معمار الرواية

وعموما لا أحد يجحد الدور الريادي الذي أضحت تلعبه هذه الجوائز -وعلى رأسها الجائزة العالمية للرواية العربية- في اختصار المسافات على القارئ من جهة، والانتصار للنصوص الجميلة من جهة أخرى بعيدا عن كل الحسابات الضيقة.

 تكشف قراءة "نوميديا" عن تشبع بعوالم أدبية متنوعة كلاسيكية وتجريبية، عربية وعالمية. كيف تحدد أهم المرجعيات التي أثرت في تشكيل مشروعك الروائي واختياراتك على مستوى هندسة السرد؟

رواية "نوميديا" تستقي من عوالم مختلفة، وتطمح إلى التجديد، سواء على مستوى المضامين أو على مستوى معمار الرواية، وتغوص في النفس البشرية حينا وتتوغل عميقا في المكان والمجتمع والميثولوجيا.

طبعا المرجعيات التي أثرت فيّ كثيرة و متنوعة، على رأسها الدرس النفسي والقصيدة الشعرية. من يقرأ "نوميديا" يلمس عناق القصيدة بالجانب السيكولوجي، دون أن ننسى أن كل عمل روائي حوار مع الذاكرة والأشياء من حولنا، لا كما يراها الناس بل كما تلتقطها عدسة الروائي.

 تحكي الرواية مأساة "لقيط" (مراد أو أوداد) يواجه الحياة غصبا، وعنها تتفرع مآس وأعطاب اجتماعية كثيرة تتصدى لها بنبرة فضح وإدانة قوية. أي تصور تحمله في مشروعك الأدبي عن دور الرواية في تعرية الواقع واستفزاز الوعي الجماعي؟

الرواية لا يجدر أن تبتعد عن واقعها.. ونوميديا تحاكم هذا الواقع، تحاكم بؤسه وتحاكم الشطط الذي نعيشه وتدين شقاء الإنسان الشرقي، لكنها لا تقف عند ذلك بل تتعداه لتقدم صورة عن بؤس الإنسانية والإنسان، حين تتحالف ضده الحياة.

إنها رؤية تتجاوز الواقع بآلامه وآثامه في كثير من الأحيان لترسم صورة عن الكائن البشري حين يتصارع فيه الموت والحياة، رؤية لا دور للواقع فيها سوى الزج بالذات في عذابات شتى قبل الدفع به إلى الانسحاق النهائي.

 الشخصيات المحورية التي تحيط بالبطل المأساوي للرواية (مراد) كلها شخصيات نسائية تحمل وزر القهر الاجتماعي بشكل من الأشكال، بين من تزوجت اضطرارا عجوزا ثريا (نضال)، ومن انتحرت لعجزها عن الحفاظ على حبها أمام المجتمع (خولة)، ومن حولها هجران الأب إلى قاتلة رمزية (جوليا). لماذا بناء هذه النماذج النسائية وفق مصائر مسدودة الأفق؟

تنبني قصة الرواية على فكرة محورية هي أن "مراد" ملعون، وأن من أحبهم ومن كان يمقتهم يموتون على حد السواء. "خولة" انتحرت حين خذلها -دون أن يدري- البطل، أما "نضال" المناضلة اليسارية سابقا فتزوجت رجلا ثريا له أواصر مع النظام، في دلالة على أن اليسار الجديد ليس أكثر من الزوجة السرية للنظام! و"جوليا" الغازية ليست أكثر من ضحية لغواية الأدب، الأدب حين يفقد صاحبه زمام عقله ويقتاده إلى أكثر الدروب حلكة.

 تتقدم شخصيات الرواية جميعها نحو نهايات مفجعة، ألهذه الدرجة لا تهادن الرواية في كتابة سوداوية الواقع؟ أليس النص معنيا بفتح منافذ للأمل؟

الأدب الحقيقي لم يكن يوما ما معنيا ببث الأمل بين الناس، "نوميديا" هي إدانة للواقع، للإنسان حين يبطش بأخيه الإنسان

للسواد سحره الخاص، ثم إن الأدب -الأدب الحقيقي- لم يكن يوما ما معنيا ببث الأمل بين الناس، "نوميديا" هي إدانة للواقع، للإنسان حين يبطش بأخيه الإنسان، ثم وحدهم من يعيشون في واقع يفتح منافذ الأمل يجيدون تربية الأمل في نصوصهم.. ولا أعتقد أننا نعيش في مثل هذا الواقع.

 يشهد الإنتاج الروائي المغربي ازدهارا كميا ونوعيا ملحوظا. أين تضع تجربتك في سياق هذه الحركية الجديدة، وخصوصا من حيث الإضافة التي يقدمها الجيل الجديد من الكتاب المغاربة للمتن السردي المغربي؟

الحقيقة أن الناقد أجدر مني بهذا السؤال، الأدب المغربي عامة والرواية على وجه خاص يشهدان حركية وتطورا سنة بعد أخرى، مع تزايد الإقبال على الكتابة الأدبية وإن اختلط فيها الغث بالجيد. أنتمي إلى جيل الكتابة الجديد، وأحمل مشروعا أدبيا واضح المعالم، وأتمنى أن أثري به خزانة الأدب العربي عموما والأدب المغربي على وجه الخصوص.

المصدر : الجزيرة