المحفوظ فضيلي

في الحلقة الـ17 من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي" نعود إلى فلسطين مع الكاتب سعيد مضية الذي يقارب أسئلة الربيع العربي من زاوية نظرية وتحليلية، ويقول إن ما شهدتها بلدان الربيع من انتفاضات جماهيرية لم تأت ثمرة تعبئة فكرية أو تربية ثقافية.

وانتقد مضية (1934/قرب مدينة الخليل) تداعيات الليبرالية الجديدة على القيم الاجتماعية والثقافية في العالم العربي من خلال سيادة مفاهيم رأسمالية الكازينو التي ساهمت -إلى جانب عوامل أخرى- في تعطيل الدور الريادي للثقافة العربية.

ويبدو مضية -الذي عاش تجارب الاعتقال والنفي والمطاردة قبل أن ينخرط في العمل الوطني والسياسي- متفائلا بمستقبل الربيع العربي، قائلا إن الأهداف التي رفعتها الحركات الشعبية سوف تتحقق على الأرض العربية.. وفي ما يلي نص الحوار

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

  الانتفاضات الجماهيرية البازغ هلالها أواخر عام 2010 أخرجت أثقال الأرض العربية من قهر وهدر ونبذ للملايين في مهاوي الفقر وظلمة التهميش، ليتكور بدرها الساطع يبدد الظلمة وينور درب الخلاص.

ورغم اقتصار التحركات الجماهيرية على عدد محدود من أقطار العرب فإنها قلبت بوصلة الوعي الاجتماعي في جميع المجتمعات العربية وجهة التغيير الديمقراطي، إذ رسمت خاتمة حقبة بيات شتوي حفلت بتداعيات سلبية أوهنت المجتمعات العربية ودولها، ورهنت مصائرها لمشيئة قوى خارجية، منها الكيان الإسرائيلي.

الثورة بالمعنى العلمي هي عملية تغيير شامل وعميق للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتصفية منظومة قيم الليبرالية الجديدة، والخط البياني لسيرورتها متعرج

ربما أفضى الإحباط بالعديدين إلى اليأس من الأمة العربية فانخرطوا في الشتم والتحقير الذاتيين، واندفع البعض للتفتيش عن أوطان أخرى، واعتبر بعض النخب الثرية انتماءهم القومي محض صدفة، غير أن الجمهرة العريضة من المواطنين لم تخذل طموحاتها المشروعة في التحرر والديمقراطية والتنمية، فما تكابده من بؤس وشقاء مصيره الزوال عاجلا أم آجلا، من الطبيعي أن يتوقع المرء تفاقم أزمة هذا النظام الجائر وتصدعه ولو على المدى البعيد إلا أن الهبات الشعبية باغتت الجميع.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

لم تأت الانتفاضات الجماهيرية ثمرة تعبئة فكرية أو تربية ثقافية، فقد تزامنت حقبة البيات المديدة مع توطد نمط اقتصادي ليبرالي جديد صدره الغرب إلى المجتمعات العربية بينما كانت تكابد استحقاقات هزيمة حزيران 1967 المجيرة تبعتها على العلمانيين العرب.

توطنت الليبرالية الجديدة عبر مشاريع التكيف الاقتصادي وتعتبر الثقافة أخطر إفرازاتها، أشاعت ثقافة العنف والقسوة، وتحطيم إنسانية البشر، والنظرة للمسحوقين جراء عمليات التكيف الاقتصادي انقلبت من ضحايا تتوجب رعايتهم إلى مشكلة يتوجب التخلص منها أو حشرها في زوايا النسيان.

سادت مفاهيم رأسمالية الكازينو، حيث الخاسر في مضاربات القمار تلفظه الحلبة غير مشيع بالتعاطف أو التضامن، سقطت هذه المفاهيم من قيم الثقافة العربية، وتطعم النشاط الثقافي في المجتمعات العربية إلى حد كبير بثقافة العنف والاختلال الاجتماعي وبقيم الليبرالية الجديدة، هذا العامل مصحوبا بالحجر على حرية الرأي وفرض ثقافة الاستبداد السياسي والفكري أعاق الثقافة القومية العربية عن لعب الدور الريادي المنوط بها، هذا باستثناء مصر التي شهدت حركات مثل "كفاية" وغيرها لم تشكل التيار الثقافي السائد.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

وفد إعصار الليبرالية الجديدة على المجتمعات العربية مدمرا من منطلقين، الأول: صاحبت الليبرالية الجديدة إجراءات قاسية أفقرت شرائح عريضة وأفضت إلى تدهور الخدمات الاجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية، وعهد بها إلى القطاع الخاص، فغدت الخدمات الصحية الجيدة والتعليم الموصل إلى وظيفة عالية الكلفة تعجز عن توفيرها الجماهير المفقرة.

قوبلت الانتفاضات العربية وبمنتهى السرعة برد مضاد من قبل بيروقراطية النظام وحلفائها على المسرح الدولي، فما يجري حاليا في الأقطار التي أطاحت برؤساء الدول إنما هو صراع اجتماعي بين الثورة والثورة المضادة

والمنطلق الثاني: الليبرالية الجديدة بنوازعها العدوانية على الصعيد الدولي -وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص- احتضنت السلفيات الدينية المسيحية واليهودية والإسلامية التكفيرية، الأخيرة أشاعت الحروب الطائفية في الأقطار العربية، بينما الأصوليتان الأخريان احتضنتا مفاهيم الحركة الصهيونية وكامل أهدافها في فلسطين، بما في ذلك بناء الهيكل على أنقاض الأقصى وقبة الصخرة كشرط لا بد منه بعد هجرة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم فيها، وبذا كان الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة الضحية المباشرة لهذا النهج.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

قوبلت الانتفاضات العربية وبمنتهى السرعة برد مضاد من قبل بيروقراطية النظام وحلفائها على المسرح الدولي، فما يجري حاليا في الأقطار التي أطاحت برؤساء الدول إنما هو صراع اجتماعي بين الثورة والثورة المضادة.

الثورة بالمعنى العلمي هي عملية تغيير شامل وعميق للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتصفية منظومة قيم الليبرالية الجديدة، والخط البياني لسيرورتها متعرج، يحتمل أن يموه جوهر الصراع بمفهوم الربيع، أو الخريف كما يطيب للشائنين.

إلى أي مدى -متوسط، بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي -ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحرية- ستتحقق على أرض الواقع؟

الأهداف التي رفعتها الحركات الشعبية سوف تتحقق على الأرض العربية، علمتنا تجارب الثورات الكبرى في العالم أن الخط البياني للثورة متعرج في حالة صعود وهبوط، واندفاع وانتكاس، واجتثاث القديم وبناء الجديد عملية طويلة الأمد ومعقدة يتم إنجازها إثر تقلبات وانتكاسات على غرار تقلبات وانتكاسات الثورة الفرنسية التي استقرت مبادئها بعد عقود من اندلاع الثورة.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

 سياسة الإنجاز تسمو على الارتجال والانفعالية النزقة لتسترشد بالفكر المخصب والمبدع، وطبيعة الإبداع ترفض الاستنقاع الثقافي الذي جمد مجتمعات العرب حينا من الدهر، فالإبداع يجيب على أسئلة الواقع المتغير والمتحول بفكر يتطور في مناخ الحرية.

ولكي يتطور الفكر يتوجب على القابضين على دينهم المؤمنين بعدالة ربهم ونزاهته أن يتساموا لدى مواجهة أي رأي يلحظون فيه شبهة تجديف بالدين، ويتصرفوا واثقين بما هم عليه لا تهزه شبهة في نص فكري أو أدبي، أو أي نتاج ثقافي يحض على إطعام المسكين.

المصدر : الجزيرة