حاوره/هيثم حسين

يستلهم الروائي اللبناني جورج يرق حكايات الحرب اللبنانية في أعماله، ويعكس تأثيراتها على حياة المشاركين فيها والجيل اللاحق، بعد سنوات من انتهائها، ويقتفي أثر بعض المقاتلين الذين ألقت بهم الحرب على قارعة طريق الحاجة واليأس، وأبقتهم على حافة التخبط والجنون.

جورج يرق، وهو من مواليد (1958)، مارس العمل الصحافي عقودا، وعمل محررا وسكرتير تحرير وكاتبا حرا في صحف ومجلات لبنانية عدة، وتوجه مؤخرا لكتابة الرواية، وصدرت روايته الأولى "ليل" عام 2013، واختيرت روايته الثانية "حارس الموتى" ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2016م.

ويلفت يرق إلى أن الخاسر الأكبر في الحرب هو المسالم الذي رفضها ولم يشترك فيها، ويؤكد أن الرواية تدين الحرب وتظهر عبثيتها وتكشف بعضا من وجوهها الزائفة، كما يعتقد بأن الجوائز مفيدة جدا عندما تكون ذات صدقية.

وبمناسبة اختيار روايته "حارس الموتى" ضمن القائمة القصيرة "للبوكر العربية"، أجرت الجزيرة نت معه الحوار التالي:

 تبدو روايتك "حارس الموتى" كنبش في ذاكرة الحرب، ورصد لتداعياتها المستمرة على حياة المدينة وأهلها، هل يأتي ذلك من باب المحاكمة التاريخية أم للاعتبار من عبثيتها ومآسيها؟

إنها إدانة لجميع المليشيات التي عاثت في البلاد خرابا ودمارا بعدما اتخذت الحرب في لبنان طوابع مختلفة: يمينا ويسارا، طائفيا فمذهبيا، ثم في المذهب الواحد، ثم اتفق الفرقاء على إقامة السلام لكن الحرب لم تزل قائمة، مع اختلاف نوع الأسلحة، واختلاط الجبهات؛ خصماء الأمس باتوا أصدقاء اليوم، والخاسر هو الذي ذهب ضحية هذه الحروب.

فالمليشيا التي ينتمي إليها الراوي، واسمه في الرواية "عابر ليطاني"، تمثل كل المليشيات، وهو يمثل كل مقاتل شارك في الحرب رغما عنه كي يأكل ويعيش وينام بعدما سدت في وجهه الأبواب. ثمة أمثولات كثيرة كامنة في الروايات على القارئ أن يستخلصها، ولعل أهمها أن الخاسر الأكبر في الحرب هو المسالم الذي رفضها ولم يشترك فيها، الحياد كان موقفا ملتبسا، فأنت ضدنا إن لم تحمل بندقيتك وتنضم إلينا.

 تتضمن روايتك نقدا لأكثر من جهة سياسية وطائفية ومهنية، فهل تبقى الرواية صرخة في بحر المعارك المستمرة بأكثر من طريقة أم أنها تبعث على التدبر والتغيير؟

كما سبق أن ذكرت، الرواية تدين الحرب وتظهر عبثيتها وتكشف بعضا من وجوهها الزائفة، فهنالك -مثلا- قتلى قضوا وهم يسرقون أثاث البيوت وعدوا شهداء، وهنالك زعماء أحياء أثروا بحجة أنهم يدافعون عن الوطن.

وثمة نقد للأحزاب لعدم قدرتها على ضبط عناصرها أو لغضها النظر عن أفعالهم غير المسؤولة، هؤلاء عرفوا أيام الحرب "بالعناصر غير المنضبطة". أظن أن الرواية -والأدب إجمالا- ليست ذات تأثير في وجود التلفاز وغيره من وسائط التواصل، خاصة أن عدد القراء يتناقص.

 تذكر أنك عشت على هامش الحرب في لبنان وعانيت ويلاتها وانعكاساتها، فكيف تجري تكاملا بين أدوار المخيلة والذاكرة والتجربة في رسم عوالمك الروائية؟ وهل "حارس الموتى" هو الناطق بألسنتها وحارس ذاكراتها؟

 لا بد من الاستعانة بالمخيلة في حكاية المشاهد التي تروي بشيء من التفصيل وقائع المعركة، علما بأن الذاكرة مسكونة بكم هائل من الأخبار المتصلة بالحرب، وكنت -كغيري- من القلقين على مصيرهم وعلى حياتهم، وأتابعها صورا وتحقيقات ومقالات في الجرائد والإذاعات والتلفزيون، وحسبي أن أسترجعها حتى تصبح في متناولي مادة خصبة للسرد.

لم أشترك في القتال، لكنني كنت أرى عربات المدافع عابرة في الحي، والدبابات وأسراب المقاتلين، ولطالما تناهت إليّ أخبار حقيقية يرويها مقاتلون لا تزال رائحة الرصاص عالقة في ثيابهم، وثمة مشاهد من تلك الأيام ماثلة إلى الآن في الذاكرة.

أضف إلى ذلك أنني بعد الحرب استمعت إلى حكايات أشخاص ذهبوا إلى المعارك، وبعضهم نجا بأعجوبة من الموت. لم أستثمر تلك المرويات في "حارس الموتى" فحسب، بل سبق أن استثمرتها كذلك في روايتي الأولى "ليل" التي هي أيضا طالعة من أجواء الحرب، لكن الراوي فيها ذو هوية طائفية معلنة، وانتماء حزبي صريح.

 روايتك قاتمة لارتكازها على الموت؛ معارك ومتاريس وقتلى وثلاجة موتى وأشلاء جثث، وهذا قد يولد لدى القارئ انطباعا بأن فكرة الموت تخيفك أكثر مما يخيفك الموت نفسه؟

صحيح، إن نيتشه يقول "ليس الشك ما يدفع إلى الجنون بل اليقين". فعندما يقال لك إنك ستموت في حادث سيارة خلال ثلاثة أشهر، تتوخى الحذر أو لا تصدق. فهنالك خطر، وتاليا شك. لكن حين يعترض جسمك مرض ما، وتوقن أنك ستموت، عندئذ يصبح هذا الاحتمال بالغ الوطأة.

أذكر أن روجيه فايان كتب في ختام يومياته: "ماذا أفعل في السنة المقبلة؟ إن المرض يقتلني على نحو بطيء". أحسب أن حكم الإعدام على قدر كبير من الفظاعة. فالمحكومون بالإعدام يعرفون أنهم سيموتون، والانتظار ليس وقتا إضافيا بل هو وقت مروع.

 كيف تنظر إلى دور الجوائز في تصدير العمل الإبداعي وتسويقه وتسليط الأضواء عليه، خاصة جائزة "البوكر"؟ وماذا يعني لك اختيار روايتك ضمن القائمة القصيرة؟

الجوائز مفيدة جدا عندما تكون ذات صدقية، ترفع إلى المراتب الأولى الكتاب الذي يستحق وفق معايير أدبية صرف، لكن عندما تدخل المحسوبيات تفقد قيمتها، وعندئذ لا تقدم في الترويج للكتاب الفائز ولا تؤخر.

تكمن أهمية جائزة "البوكر" في صدقيتها ونزاهة مقاييسها، والأسماء التي تندرج في قوائمها الطويلة والقصيرة تغدو معروفة إعلاميا، ويقبل المهتمون على اكتشاف نتاج أصحابها، خاصة أولئك الذين ينشرون للمرة الأولى، أو هم غير معروفين إلا في بلدانهم.

صحيح أن الجوائز الرصينة لا تصنع أدبا كون الكاتب الحقيقي لا يكتب طمعا في نيل جائزة، لكنها محفزة ومشجعة، ليس للكاتب فحسب بل للقارئ كذلك، هنالك فئة من القراء لا يذهبون إلا إلى "روايات الجوائز".

اختيار روايتي ضمن القائمة القصيرة يعني لي الكثير، يكفي أنه سلط الضوء عليها، فنفدت طبعتها الأولى، وصدرت الطبعة الثانية؛ في الأخير الكاتب يكتب ليُقرأ، وإلا فلا داعي إلى أن ينشر.

المصدر : الجزيرة