المحفوظ فضيلي

يمثل الاتفاق بين إيطاليا ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) على تشكيل فريق عمل أممي ميداني لحماية الإرث الثقافي في مناطق الأزمات والصراع حول العالم، أول خطوة عملية في وجه تدمير ونهب وضياع الكثير من الآثار، في خضم الصراعات والنزاعات التي تشهدها الكثير من مناطق العالم.

وتعتبر بلدان في شمال أفريقيا والشرق الأوسط أكبر ساحة لما تعتبره الأمم المتحدة "كارثة ثقافية"، في إشارة للتدمير الذي طال الآثار في بلدان الربيع العربي خاصة سوريا والعراق وليبيا واليمن خلال السنوات القليلة الماضية.

وكانت بداية تلك الكارثة في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث سجلت أكبر سرقة في تاريخ المتاحف، إذ نهبت نحو 150 ألف قطعة أثرية من متحف بغداد، وكانت تلك بداية خسارة العراق آثارا تعود إلى آلاف السنين.

وبعد ذلك بسنوات طويلة، وقف العالم مشدوها أمام ما اقترفته أيادي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الموصل، بعد أن استولوا عليها في يونيو/حزيران 2014 وعاثوا تدميرا في الكثير من معالم المدينة التاريخية والأثرية، وبعد ذلك في مناطق عراقية أخرى بينها مدينة نمرود الآشورية.

مظاهر تدمير آثار بالفلوجة شاهدة على ما طال آثار العراق منذ الغزو الأميركي وما تلاه من فوضى وانقسام (الجزيرة-أرشيف)

سوريا
وفي سوريا تسببت الحرب في تدمير الكثير من الكنوز التاريخية، وأفادت الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2014 بتعرض نحو ثلاثمئة موقع بارز للتدمير أو الضرر أو النهب منذ بدء النزاع السوري، ووصف تقرير أممي الوضع في سوريا بالكارثة الثقافية.

وتعتبر مدينة تدمر (وسط البلاد) -المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو- العنوان الأبرز للكارثة الثقافية التي تشهدها سوريا، فمنذ أن بسط عناصر تنظيم الدولة سيطرتهم على المدينة في مايو/أيار 2015، اتبعوا سياسة تدمير منهجي للمدينة وذاكرتها الحضارية.

وقد فجر مقاتلو التنظيم قوس النصر الأثري الذي يعد جوهرة في مجموعة الآثار الرائعة في المدينة، بعد أن دمروا معابد أثرية تعود للعصر الروماني، وسرقوا كنوز أثرية كبيرة، وأنشؤوا وزارة خاصة للتنقيب تمنح تراخيص تنقيب وحفر في تدمر لمجموعات مختصة بسرقة الآثار.

ليبيا
وفي ليبيا التي يمزقها الصراع والانقسام، انتعش تهريب الآثار وباتت كنوز يعود بعضها إلى الحضارة اليونانية عرضة للنهب، خاصة في ظل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة -وعلى رأسها تنظيم الدولة- وسيطرتها على مناطق في وسط البلاد وشرقها. وتقول مصادر رسمية في ليبيا إن قطاع الآثار تضرر كثيرا خلال السنوات الماضية، إذ جرفت مواقع وسرقت قطع أثرية.

وتوجد في ليبيا خمسة مواقع أثرية مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي، هي: موقع صبراتة الأثري (غرب طرابلس)، ومدينة شحات (قورينا) التي بناها الإغريق في شرق البلاد، وموقع لبدة الرومانية قرب طرابلس، ومواقع "تادرارت أكاكوس" الصخرية الغنية بآلاف النقوش التي يعود أقدمها إلى 21 ألف عام قبل الميلاد بجنوب غربي ليبيا، ومدينة غدامس جنوب غرب العاصمة التي تعود آثار العيش فيها إلى نحو عشرة آلاف سنة قبل الميلاد.

توصف ليبيا بأنها متحف أثري مفتوح لكن كنوزها باتت عرضة للنهب والتدمير في ظل حالة الانقسام في البلاد (الأوروبية)

اليمن
وفي اليمن باتت الآثار التاريخية عرضة للعبث والسرقة، وبتعدد مسارح الصراع اتّسعت مأساة هذه الآثار، وخاصة في محافظتي مأرب والجوف اللتين قامت فيهما حضارتا سبأ ومعين، وتضمّان مدنا أثرية شهيرة كمدينة مأرب وصرواح في محافظة مأرب، ومدينة براقش والسوداء في محافظة الجوف، وتشكِّل آثار هاتين المحافظتين ما يزيد على 90% من المخزون الأثري في اليمن.

ولم تسلم الآثار في المناطق أخرى من البلاد، ففي تعز قصفت مليشيا الحوثيين والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح بالمدفعية الثقيلة مقر الهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات في المدينة، وأدى القصف إلى احتراق المتحف الوطني والمخطوطات الموجودة فيه.

أفغانستان
وقد دُق ناقوس الخطر على مصير الآثار في أفغانستان عام 2001، عندما دمر عناصر من حركة طالبان -خلال فترة حكمها- تماثيل في مدينة باميان وسط البلاد، بينها تمثالان ضخمان مشهوران لبوذا يرجع تاريخهما لأكثر من 1500 سنة، ويصل طول أحدهما 53 مترا والآخر 38 مترا.

ومنذ ذلك التاريخ ما فتئت اليونسكو تطلق التحذيرات والمبادرات حرصا على التراث الإنساني في مناطق النزاع، وذلك من باب الاعتراف الدولي بالدور المهم للتراث الثقافي في بناء السلام وفي ترسيخ الهوية والتماسك الاجتماعي، وما ينطوي عليه من إمكانات اقتصادية هائلة.

المصدر : الجزيرة