علي البتيري

يبدو أن وباء الكلمات السقيمة أسرع انتشارًا وتفشيًا من عدوى الكتابة السليمة المتوهجة بالإبداع، وهذه الظاهرة المؤسفة لا تحتاج إلى إثبات في عالم يتدنى فيه مستوى الوعي الثقافي ويصبح فيه الذوق الرفيع عملةً نادرة حينًا ومفقودة حينًا آخر.

فالكلمة الفارغة المنتفخة بهواء فاسد تدق لها الطبول وتقام لها أعراس الإعجاب، ويتلقى فرسانها المحاربون لطواحين الهواء بسيوفهم الورقية المزيد من "اللايكات" وزغاريد الاحتفاء وهتافات المديح والثناء، أما الكلمة الممتلئة بدم التجربة الصادقة ووهج الإبداع فتقابل من قراء ومطالعي بني سذاجة بإشاحة الوجوه وضعف حاسة التذوق، وليس لها في أحسن الأحوال إلاّ القراءة الباردة الصامتة التي لا تخلو في بعض الأحيان من بحلقة وتربص عيون صيادي الثقافة وقطاع الطرق الأدبية الوعرة.

في هذا الجو الضبابي المعتم وتحت وطأة هذا الإحساس الضاغط على الأعصاب، يندفع أحد فرسان الكلمات المضيئة المكتنزة بالإبداع، يركل باب الصمت بقدمه ليفتحه بقلمه ويتركه مفتوحًا على مصراعيه لأي كلام ذي جدوى في هذه المسألة الشائكة.

ويهرول مسرعًا حتى نراه يركض في شارع خلفي ضيق وطويل إلى أن يصل إلى باب عيادة متواضعة المبنى مكتوب عليها بخط عريض وواضح "عيادة النقد الأدبي الوقائي" لا يقيم فيها طبيب نفسي، وإنما ناقد موضوعي لا يجامل ولا يحابي أحدًا من الأدباء والكتاب على حساب الجودة، ولا يخشى في نقده الأدبي الوقائي لومة لائم.

وهنا يقرع فارسنا جرس الباب فلا يخرج لاستقباله أحد، يدفع الباب بعد تردد فينفتح أمامه، ولكنه لا يجد أحدًا في العيادة النقدية، وقبل أن يجلس في غرفة استقبال الزوار يلفت نظره بعض اللافتات الإرشادية والنصائح النقدية الوقائية المثبتة على الجدران بشكل متراص الواحدة تلو الأخرى.

الكلمة الممتلئة بدم التجربة الصادقة ووهج الإبداع تقابل من قراء ومطالعي بني سذاجة بإشاحة الوجوه وضعف حاسة التذوق، وليس لها في أحسن الأحوال إلاّ القراءة الباردة الصامتة

يقرأ فارسنا المبدع تلك الإرشادات والنصائح بصوت جهوري عالي النبرة، وكأنه يخاطب جمهورًا غفيرًا من الأدباء والكتاب والقراء المثقفين وأشباه المثقفين.

إرشادات ونصائح
وكان مما قرأ في غرفة الانتظار:
• اقرأ أكثر بكثير مما تكتب وقارن بين ما تكتبه وما يكتبه المبدعون الحقيقيون في عالم الأدب وبخاصة كبار الأدباء المعروفين.

• لا تكتب عن صحوة الكلمة وأنت مستغرق في بحر من الحلم بها، فعليك أن تصحو أنت أولًا حتى لا يتهمك البعض بهذيان اللغة الفصيحة.

• لا تكتب على ضوء شموعٍ خافت حتى لا يصاب قلمك بعمى الألوان أو يصاب قراؤك بالرمد الربيعي بسبب كلماتك الباهتة التي قد لا تخلو من الشوائب.

• افتح حسابًا لمفردات اللغة في بنك الذاكرة، واعمل دائمًا على زيادة رصيدك وإثرائه بكل جديد.

• حذار من أن تقع تحت طائلة الإبهام والطلسمة حتى لا تكون في وادٍ غير ذي زرع وقراؤك في وادٍ آخر.

• حافظ على حرارة التجربة من موجات الصقيع والمنخفضات الفكرية التي تجتاح منطقتنا العربية بين الحين والآخر.

• لا تكتب على ورق الخوف مما حولك حتى لو اجتمعت عليك الجهات الأربع، فكسر حاجز الخوف بقول كلمة حق وصدق هو المقدمة الأولى للإبداع الأدبي المنشود.

• حاذر من أن تطمر أو تطمس كلماتك المتوهجة ثلوج النقد الانطباعي المزاجي لبعض النقاد المغرضين الذين لا هم لهم وهم يتحصنون بأبراجهم النقديّة العاجيّة إلا اغتيال بعض الأقلام والنصوص الجيدة.

• كن دائم الانتقاء للكلمات والصور التعبيرية التي تمتلك القدرة على بث روح الخصب في مواسم القحط والتأكيد على جدوى الكلام في زمهرير الصمت المرير.

• تذكر أن آلاف بل ملايين الأطفال والشيوخ الجائعين كذلك يتعلّلون ويطيبون خواطرهم بخبز كلماتك الطيبة في غياب الرغيف.

• اكتب شيئًا عن الفرح في دفتر الفجيعة، وانقش أكثر من عبارة نصر في ألواح الهزيمة، واعقد خيطًا أحمر على قلمك في كل محطة من محطات الرّحيل في عالم الكتابة يعد بالإياب وسلامة العودة إلى القارئ المثقف الذي يبقى في انتظارك ليبدي رأيًا فيما كتبت.

لا تستعرض بنات أفكارك العربية في المقاهي الأجنبية حتى لا يقوم أحد المخمورين بتعريتها وسكب السوائل الخبيثة عليها فتصبح ممتهنة ورخيصة بعد أن كانت نقيّة وثمينة المعنى

• تجنب أن تلتقط بقلمك المغرم بالتصوير صورًا للخيول العربية التي تنش بذيولها ذباب السأم في الإسطبلات الخلفية، أو للسيوف العربية التي خسرت مقابضها في نزاعات قبليّة أو طائفيّة، وذلك حتى لا تصاب بصدمة قد تؤدي لسكتة أدبية أو جلطة مداديّة تطيح بقلمك.

• إياك والتحدث عن عذابات الفقراء والمشردين المحرومين في ردهات الفنادق الفخمة ذات "الخمس نجوم"، وإياك أن تكتب في هذه المسألة بقلمٍ ثمين أجنبي الصنع يكفي ثمنه لإطعام ستين مسكينًا على الأقل.

• لا تستعرض بنات أفكارك العربية في المقاهي الأجنبية حتى لا يقوم أحد المخمورين بتعريتها وسكب السوائل الخبيثة عليها فتصبح ممتهنة ورخيصة بعد أن كانت نقيّة وثمينة المعنى.

• وأخيرًا اغسل قلمك قبل الكتابة وبعدها حتى يظل قلمك نقيًّا وعصيًّا على التلوث.

 بعد أن فرغ فارس الإبداع الجميل من القراءة الجهرية لهذه النصائح والإرشادات قرر أن يصورها بجهازه الخلوي ويرسلها إلى من يهمهم الأمر وإلى من لا يهمهم أيضًا، وبعد أن قام بالتصوير وجد من اللياقة والأدب أن يستأذن الناقد صاحب عيادة النقد الأدبي الوقائي قبل أن يرسلها إلى أي أحد، ولكنه حين بحث عنه لم يجده وقيل له إنه هجر العيادة لقلة الزبائن وذهب في إجازة طويلة خارج الزمان والمكان.

المصدر : الجزيرة