وديع عواودة-حيفا

"بصير خير" عنوان معرض للفنان التشكيلي الفلسطيني أحمد كنعان من مدينة طمرة داخل أراضي 48 وفيه يبحث عن هويته الفلسطينية ويشارك في صياغتها ويتمسك رغم الاحتلال الإسرائيلي بالتوق للحرية من خلال اختيار صياغة العنوان باللغة العامية تشبتا بالأمل في التغيير نحو الأفضل له ولشعبه.

في هذا المعرض، يتناول كنعان (50 عاما) التاريخ القريب من خلال ثيمة اللاجئ
، معبّرا بذلك عن جرح ألمّ بعائلته وبشعبه نتيجة نكبة 1948 ويتميز معرضه هذا بهيمنة الطابع الفلسطيني.

في لوحة "العائد" مثلا رسم الفنّان شخصية اللاجئ الفلَسطيني مرتديًا الكوفية، وهو لا يزال يجوب الأرض، على أمل الاستقرار في وطنه. كما تحضر شخصية صلاح الدين الأيوبي في صورة فارس منتصر وشهم.

يختار كنعان شخص صلاح الدين الذي وحّد العالم العربي والإسلامي وانتصر على الصليبيين الذين احتلوا البلاد، وربما يعبر بواسطته عن توقه وشعبه للقيادة الفاضلة والشّهمة.

وفي واحدة من لوحاته يظهر الفارس على شاكلة ظل أسود يمتدّ على طول تركيب اللوحة، وتطل في الخلفية مدينة القدس المحتلة واضحة المعالم، وقبّة الصخرة بالذات.

أحمد كنعان يستلهم في أعماله الحضارة الكنعانية التي اشتق اسم عائلته منها (الجزيرة)

حضارة كنعانية
في هذا المعرض يعكس كنعان بحثا عن الهوية ومحاولة لصياغتها، لكنه يعود بعيدا بالزمن إلى ما قبل الحضارة العربية الإسلامية التي ينتمي إليها ويستلهم الحضارة الكنعانية، التي اشتق اسم عائلته منها.

وربما يمثّل شخص الإلهة "عنات" رَبّة الخصوبة والحرب في أعماله، حاجة كنعان وشغفه بحياة هادئة على أرض خصبة كريمة بالأمطار تمنحه النظام والسلام، رغم صعوبة إدراكهما في الواقع الراهن.

ويشير الناقد الفني يوسف إلياس إلى أن الفنّان كنعان الذي تعرض أعماله في فلسطين وخارجها من أكثر الفنّانين الفلسطينيين إنتاجا، إذ تمتد مسيرته الفنية على مدى ثلاثة عقود أنتج خلالها مئات أعمال الرسم والنحت.

ويلاحظ إلياس في حديث للجزيرة نت أن مسيرة كنعان الفنية تشهد في العقد الأخير تطوّرا مستمرا في الأسلوب والمضمون والإكثار من الترميز في عمله. ويوضح أن ما يميّز أعماله هو اختياره مواضيع تعبّر عنه بوصفه إنسانا عربيا فلسطينيا ينتمي إلى هذه البلاد، مستلهمًا مواضيعه من بيئته ومجتمعه.

بعض لوحات معرض "بصير خير" المتواصل إلى غاية نهاية الشهر الجاري (الجزيرة)

كما يلاحظ أن الفارس لدى كنعان مجرد من أي ملامح تخصّ الوجه عملا بمبدأ التجريد وبذلك لا ينحصر العمل في قالب التصوير الملحميّ فينقله إلى حيز الرمز، مما يكسبه قوة أقوى على التعبير. ويدلل على الغنى الفكري والفني بالتذكير بكثرة لوحات الفارس لدى كنعان المبتكر والمتجدد دائما في ما يخصّ اللون والتركيب.

ويقول الصحفي أحمد شقير ابن مدينة طمرة إن أكثر ما يشده في أعمال كنعان لوحاته المستلهمة من الحياة اليومية والأعراس الفلسطينية المعبّرة عن حنينه للماضي والتراث كدبكة الرجال بالزي التقليدي (القمباز والسِّروال والكوفية) إضافة للمشاهد الريفية بكل تفاصيلها.

ويقول شقير للجزيرة نت إن لوحة "مقيمون غير شرعيين" تستهويه لتعبيرها عن حالة فلسطينية إنسانية تتعلق بشباب من الضفة الغربية يتسللون لأراضي 48 بحثا عن لقمة العيش وتطاردهم إسرائيل بذريعة التراخيص.

ويتابع شقير، الذي يهوى الرسم، "تبدو في اللوحة بعض الأغطية والأحذية المنتشرة في فضاء اللّوحة ما بين الأشجار وبذلك هو يستحضر الفنّان (الهولندي) فان غوغ في لوحة الغرفة والكرسي".

ولا يتنازل كنعان عن لازمة شجرة الزيتون والصبار فهي رمز للبقاء والصمود والمقاومة التي تعكسها بوضوح لوحة "المقليعة". وبمجمل أعماله الفنية يعود كنعان بالمتلقي لأرض الوطن وللذات، مشاركا بصياغة الهوية الوطنية على متن الفنّ ولغته التعبيرية.

المصدر : الجزيرة