كمال الرياحي-تونس

"كاتب بارد" هكذا وُصف الفرنسي باتريك موديانو عندما نال جائزة نوبل للآدب عام 2014، وقيل إنه ممل، واستغرب الكثير من القراء حصوله على الجائزة، ثم تراجع الكثير منهم تحت تأثير النقاد وما كتب عنه، ورغم عدم تحمس دور النشر العربية لتقديم أعماله مثل نظرائه من المتوّجين فإنه حظي بعدد من الترجمات تمثل رواية "تفتيش ليلي" (الصادرة مؤخرا عن دار "طوى" بترجمة محمود قاسم) واحدة منها.

استعار موديانو في هذه الرواية التي تستعيد فترة الاحتلال النازي لفرنسا، اسم اللوحة الشهيرة "دورية ليل" (1642) للرسام الهولندي الكبير رامبرنت (1606-1669) لتكون عنوان روايته، لوحة رسمها الفنان عام 1642 فجلبت له الكثير من المشاكل بسبب الظلمة التي أسقط فيها الجنود والضباط الذين يقومون بالدورية والذين تقدمهم اللوحة كأشباح.

والحال أن "رابطة الحرس البلدي" هي من طللب من رامبرنت تلك اللوحة التي يرسم فيها حركة صاخبة وعنيفة في ظلمة ليل حيث لا نكاد نتعرف على مكان الأحداث من شدة الظلمة التي أكلت كل شيء ولم يبق إلا حركة الضباط والجنود وصخبهم الظاهر في أفواه بعضهم المفتوحة.

في المقابل يرسم الروائي الفرنسي موديانو لوحة سردية قاتمة لباريس المحتلة من الجيش النازي الذي أسقط مدينة الأنوار في الظلام، ظلام لم تتعود عليه باريس، جعل الجميع يتلصص على الجميع وهي تخضع لنظام يرفع من الوشاية إلى مستوى القيمة الأخلاقية والنشاط الوطني.

باتريك موديانو استوحى عنوان روايته عن باريس المحتلة من لوحة "دورية ليل" للفنان الهولندي رامبرنت (مواقع إلكترونية)

كتابة كابوسية
فالأسماء في الرواية كثيرة ولكن لا معنى لها، فهي مثل بعضها كحال الجنود في نظام عسكري، لا أحد له هوية مختلفة، فكرة سردية جهنمية قارب بها موديانو وضعية الإنسان في ظل حكم نازي شمولي، فلا عاد المكان دالا على شيء، ولا عاد للاسم معنى، لأن الناس جميعا فقدوا إنسانيتهم إما بالسلب والقهر وإما بالخيانة والعمالة.

ارتبطت لوحة رامبرنت بتأويل اعتبره النقاد السبب الرئيسي وراء رفضها من الجهة الأمنية التي طلبتها، تفصيل صغير يأتي من خلفية اللوحة في عين مندهشة وراء الجنود والضباط الذين يقتحمون الشارع لنكون أمام سؤال كبير: ماذا كان يجري في موضع الرسام أمام الجنود؟ أو ماذا كان يفعل الجنود؟ وما الذي صمتت عنه اللوحة ووشت به تلك النظرة الفزعة؟

ذهب التأويل إلى أن تلك النظرة الفزعة للعينين المحجوبتين في الخلفية وراء اليد الممدودة بالأوامر تشي بجريمة ترتكب. هكذا يمكن أن نفهم تلك العلاقة بين رواية موديانو التي ترسم صورة باريس تحت الاحتلال النازي وبين لوحة الجريمة المخبئة لرامبرنت، كتابة كابوسية كحال لوحة صاحب "الثور المذبوح" التي افتتحت تاريخ الفن الحديث.

وهذا التأويل هو ما ذهب إليه المخرج السينمائي الإنجليزي بيتر غريناواي في فيلمه "دورية ليل" عن سيرة رامربنت والذي يظهر فيه الرسام الهولندي في ثوب الممثل مارتن فريمان، يعاني من كوابيس يرى فيها الضباط يقتحمون عليه غرفته ويفقؤون عينيه.

ومثلما تزدهر اللوحة بالحركة، تنطلق الرواية بحركة ومشهد الرومبا تحت الضوء البنفسجي الكابوسي للثريا. وتذهب هذه الرواية بعيدا في التجريب الذي يكاد يسقطها في الغموض من كثرة الأسماء التي تطرحها والأماكن التي تقترحها، وهو أسلوب موديانو كما يذكر المترجم في مقدمته.

ولكن هذا الغموض الذي يلف الشكل هو جزء من غموض فضاءات ما بعد الحرب أو فضاءات ما بعد الاحتلال النازي الذي ما زال مجاهل بكرا في كل البلدان التي وطأها. هكذا نستعيد العبارة الشهيرة لنقاد الرواية الجديدة في فرنسا بأن الشكل لم يعد مسألة شكلية، فالشكل ترجمان لمضمون الرواية.

رواية "تفتيش ليلي" تتنفس أجواء روايات التجسس والتلصص والروايات البوليسية دون حبكة بوليسية حقيقية، بل هي أشبه بنصوص كافكاوية في نسخة فرنسية.

روح بوليسية
إن "الموديانية"، كما يسميها محمود قاسم، تظهر في أفضل تجلياتها في هذه "النوفيلا" أو الرواية القصيرة التي "تعنى بالتفاصيل الدقيقة لاستعادة الذاكرة، أو الذكريات، لأشخاص يعيشون في الغالب داخل أنفسهم، دون أن يخرجوا منها"، فيشبههم بالشخصيات الصامتة والغاضبة في أعمال الرسام الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954).

ومن المفارقات أن القارئ لا يكاد يرى في الرواية شيئا من مظاهر الاحتلال لكنه في المقابل لا يرى صورة باريس التي ترسخت في ذاكرتنا، إنها مدينة مسلوبة مظلمة هلامية كلوحة تجريدية، أو جسد مسلوب الروح تتقاذفه أغنيات ألمانية يبثها الراديو.

رواية تتنفس أجواء روايات التجسس والتلصص والروايات البوليسية دون حبكة بوليسية حقيقية، بل هي أشبه بنصوص كافكاوية في نسخة فرنسية تروي قصة رجل يسقط في العمالة المزدوجة ليعيش مطاردا بذاكرته وما ارتكبه من جرائم في حق الذين عرفهم.

إن هذه الرواية التي تتدفق كنهر في خط سردي واحد ودون تقطيع، تبدو أشبه بكابوس لا يتقدم إلا ليختنق صاحبه أكثر وتقطع أنفاسه حتى النهاية، "في وسط هذا الحزن الرئيسي، يقول الراوي، تحس بتحرر آخر رابطة تربطك بالعالم. لن يبقى أمامك شيء إلا أن تموت".

المصدر : الجزيرة