المحفوظ فضيلي

في الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نعود لتونس مع الكاتب الحبيب السالمي، أحد أبرز الروائيين التونسيين وأكثرهم حضورا عربيا وعالميا وصدرت له تسع روايات أبرزها "روائح ماري كلير" و"نساء البساتين".

رأى كثيرون ممن قرؤوا رواية "نساء البساتين" أنها تنبأت باندلاع شرارة الربيع العربي في تونس، لكن صاحبها لا يذهب إلى حد الزعم بأنه توقع ذلك لأن الكاتب في نظره يبقى كاتبا وليس نبيا أو عرافا أو قارئ فنجان أو ما شابه ذلك.

لكن السالمي (القيروان/1951) يرى أن الابداع  يلعب دورا ما في التحولات التي  تشهدها المجتمعات وإنْ كان ذلك بشكل غير مباشر ضمن سيرورة تستغرق وقتا طويلا أحيانا لأن تأثير الآداب والفنون مسألة معقدة وشائكة وملتبسة.

ورغم إقراره بأنه لم يكن يتوقع اندلاع الربيع العربي الذي فاجأ الجميع، فإن خريج المدرسة الصادقية لا يخفي أنه كان ينتظر أن يمر الربيع العربي بمرحلة عسيرة وتراجيدية مثل المرحلة التي يعيشها حاليا في كل البلدان التي حدثت فيها ثورات.

وفي ما يلي نص الحوار:

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟ 

    لم أكن أتوقع اندلاع الربيع العربي الذي فاجأ الجميع. السياسيون أنفسهم يقولون إنهم لم يكونوا يتوقعون حدثا بهذا الحجم. أقصى ما كانوا ينتظرونه هو أن تحدث انتفاضة يقمعها النظام كالعادة. لكن أغلب الذين قرؤوا روايتي "نساء البساتين" التي صدرت عن دار الآداب في بيروت قبل أشهر قليلة من اندلاع الربيع العربي قالوا إنني "تنبأت به".

الرواية كلها إدانة شديدة لنظام بن علي، ووصف دقيق لما آلت إليه الأمور في المجتمع التونسي جراء سياسة القمع والتسلط والفساد والتجهيل. وهي تنتهي بمشهد يتطلع فيه الراوي وهو الشخصية الرئيسية إلى نجمة تلتمع في سماء تونس الصافية في الفجر قبل أن يغادرها إلى باريس حيث يقيم.

وخلافا لبعض الكتاب التونسيين والعرب الذين صاروا يرددون في كل مكان أنهم "تنبؤوا بالربيع العربي" لم أقل يوما إني "تنبأت" بالثورة لسبب بسيط وهو أن الكاتب كاتب وليس نبيا أو عرافا أو قارئ فنجان أو ما شابه ذلك. كل ما باستطاعة الكاتب أن يفعله، إنْ كان حقيقيا، هو أن يصغي جيدا إلى نبض مجتمعه وأن يعرف كيف يلتقط ما يعتمل في داخله.

أعتقد أن هذا ما حدث معي عندما كتبت "نساء البساتين". كل ما في الرواية يوحي بأن الوضع الذي أصبحت فيه تونس بعد 23 عاما من حكم زين العابدين بن علي لا يمكن أن يستمر على حاله، وأن شيئا ما سيحدث. أما ما هو هذا الشيء، فهذا ما لم أكن أعرفه. وعلى أي حال لم أكن معنيا كثيرا بتحديد هويته.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

  أنا من الكتاب الذين يعتقدون أن الابداع يلعب دورا ما في التحولات التي تشهدها المجتمعات. لكن هذا الدور غير مباشر وبالتالي يصعب تحديده ووصف الطريقة التي يتم بها. ثم إننا لا نعرف بالضبط متى يحدث ذلك. الأمر يستغرق وقتا طويلا أحيانا. إن مسألة تأثير الآداب والفنون مسألة معقدة وشائكة وملتبسة. والذين ينفون دور الإبداع في التغيير هم كتاب يبحثون في غالب الأحيان عن علاقة منطقية وميكانيكية وواضحة بين الإبداع وتطور المجتمعات.

منذ عقود ونحن نكتب عن قيم الحرية والعدالة والانعتاق والتحرر. وما نكتبه يقرأ وينتشر بشكل ما في أوساط الطلاب والمدرسين والنقابيين ونشطاء المجتمع المدني والمواطنين. صحيح أن أغلب العرب لا يقرؤون. لكن هناك شرائح مثقفة. هناك روايات مهمة تطبع عدة طبعات. وهناك أفلام ومسرحيات جيدة يقبل عليها الجمهور.

ومن المؤكد أن لهذا الإبداع دورا ما في توعية العقول والانحياز لقيم التحرر. طبعا لا أحد يستطيع أن يعرف بالضبط الأثر الذي يتركه نص ما في ذهن القارئ. ولكني على يقين من أن هناك أناسا يتفاعلون مع ما نكتب.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

   أعتقد أن موقف معظم المبدعين العرب في بداية الربيع العربي تجلى في الانبهار به ومساندته، وهذا طبيعي جدا. إن حدثا عظيما من هذا النوع قد أذهل العالم كله فكيف لا يبهر المبدعين العرب؟ أما مواكبتهم له فهي تتمثل عموما في ما كتبوه من مقالات صحفية أو دراسات أو ما صرحوا به في وسائل الإعلام عن هذا الربيع، وهو كثير ويساند في معظمه الثورات التي هزت عددا من البلدان العربية بالإضافة إلى مشاركة بعضهم في المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات.

شخصيا كتبت عددا من المقالات عما حدث في تونس في صحف عربية وعالمية (جريدة "إلباييس" الإسبانية مثلا) وتحدثت عن ذلك في مقابلات في إذاعات وتلفزيونات (إذاعة بي بي سي وقناة "تي في 5" الفرنسية مثلا) فضلا عن أنني حرصت على أن أشارك، ولو لوقت قصير، في عدد من المظاهرات والاعتصامات في تونس (القصبة وباردو) لدعم هذا الربيع العربي.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

ليست هناك ثورة من دون انكسارات وانتكاسات وخيبات. ليست هناك ثورة من دون عنف ودم وفوضى واضطرابات. لذلك لم أتفاجأ بما يحدث الآن. كنت أنتظر أن يمر الربيع العربي بمرحلة عسيرة وتراجيدية مثل المرحلة التي يعيشها حاليا في كل البلدان التي حدثت فيها ثورات. التاريخ لا يسير دائما إلى الأمام وفق خط مستقيم.

تونس هي البلد الوحيد الذي استطاع إلى حد ما أن يتجنب ما نشهده من عنف ودمار. ولكن هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام. هناك مشاكل عديدة. وكل شيء تقريبا لا يزال هشا. والكثير من التونسيين خاصة في المناطق الداخلية يعانون من البطالة والفقر والتهميش والظلم. وعلى الرغم من ذلك، فأنا أؤمن بأن الربيع العربي هو انعطافة هائلة في تاريخ العرب وبداية لشيء جديد سيكون له بالتأكيد دور حاسم في تحديد مستقبلهم.

على أي مدى (متوسط، بعيد.. ) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحرية..) ستتحقق على أرض الواقع؟

  لا أحد يستطيع أن يجيب بدقة عن هذا السؤال. ولا أعتقد أن كل البلدان التي شملها الربيع العربي ستحقق هذه الأهداف في نفس الوقت. صحيح أن البلدان العربية متشابهة. لكن هناك اختلافات بينها لأنها لم تتطور بنفس الطريقة خلال العقود الستة أو الخمسة الأخيرة أي منذ الشروع في بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال.

أعتقد أن البلد الذي استطاع خلال هذه العقود أن يبني مؤسسات على قدر من الصلابة وخصوصا أن يعمل على تشكيل مجتمع مدني هو الذي سيبلغ هذه الأهداف قبل غيره. لقد اكتشفنا بعد اندلاع  الربيع العربي أهمية المجتمع المدني والدور الهائل الذي يمكن أن يقوم به في تماسك البلد وتطوره.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟
لا أدري إن كان الإبداع العربي قد راكم ما يكفي من الرؤى والتصورات. لكن أعتقد أنه سيقوم بدور ما في تحقيق هذه الأهداف.

المصدر : الجزيرة