أمير العمري*

لم يكن لأي جوائز سينمائية في العالم عند العرب أهمية تُذكر كما كان -ولا يزال- لجوائز الأوسكار الأميركية، فنحن لا نزال نعيش في "العصر الأميركي".

ولكن المفارقة أن "الأوسكار" ليس مهرجانا دوليا كبيرا تتنافس فيه الأفلام التي تعلن أسماؤها مسبقا، وتمنح جوائزَه لجان تحكيم تُعلن أيضا أسماء أعضائها مسبقا أمام الجميع، بل هو مسابقة أميركية محلية تقتصر على الأفلام الأميركية والبريطانية والأسترالية أو الأفلام "الناطقة بالإنجليزية"، أي أن المسابقة التي تأسست عام 1927، تعتمد أساسا على العنصر اللغوي الثقافي. ويبلغ عدد الجوائز 23 جائزة، أضيف إليها في الخمسينيات (عام 1957 تحديدا) جائزة واحدة لأحسن فيلم "أجنبي"، أي لأفضل فيلم "غير ناطق بالإنجليزية"!

ويتم ترشيح الأفلام التي يقال لها "أجنبية" من طرف المؤسسات السينمائية غير الحكومية مثل جمعيات السينمائيين، ولم يكن العرب في الماضي يهتمون كثيرا بالمشاركة أو بترشيح أفلامهم لهذه الجائزة من جوائز مسابقة الأوسكار، بل كان اهتمامهم -في معظمه- اهتماما صحفيا وإعلاميا وليس سينمائيا.

فالصحافة العربية لا تهتم بحدث سينمائي كما تهتم بالأوسكار، وهو اهتمام أساسه -دون شك- الاهتمام بالظواهر الأميركية عموما، وخاصة نجوم هوليود الذين يحظون بشهرة كبيرة في العالم. ومن الطريف أن الكثير من القنوات التلفزيونية العربية تهتم أساسا بأزياء النجوم الذين يتجهون لحضور حفل الأوسكار الكبير في لوس أنجلوس، أكثر كثيرا من اهتمامهم بأفلامهم المتسابقة!

وخلال السنوات الأخيرة، بدأ العالم العربي يشهد اهتماما كبيرا غير مسبوق بمسابقة الأوسكار، فرأينا اهتماما بترشيح الأفلام من لبنان وفلسطين والمغرب ومصر وغيرها. وكان عدد محدود من الأفلام التي أخرجها مخرجون من العالم العربي أو من أصول عربية، تتناول موضوعات تتعلق بمشاكل عربية، قد وصل في الماضي إلى الترشيح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.

ولكن يجب ملاحظة أن الغالبية العظمى من هذه الأفلام كانت من الإنتاج الغربي أو الإنتاج المشترك مع الغرب، وأحيانا أيضا من إخراج مخرجين أوروبيين وتتناول موضوعات وقضايا أوروبية، مثل الفيلم الفرنسي الشهير "زد" (وهو من الإنتاج المشترك مع الجزائر) للمخرج اليوناني الأصل كوستا غافراس الذي فاز بالفعل بجائزة أفضل فيلم أجنبي عام 1969. كذلك رشح الفيلم الإيطالي "الحفل" (1983) (من إنتاج مشترك مع الجزائر أيضا) للمخرج الإيطالي إيتوري سكولا الذي توفي الشهر الماضي.

الفيلم الفسطيني "الجنة الآن" حقق نجاحا عالميا (الجزيرة)

ومن الأفلام التي رشحت لمخرجين ينتمون إلى العالم العربي فيلم "البلديون" (2006) أو "السكان الأصليون" للمخرج الجزائري الأصل رشيد بوشارب، وهو في معظمه من إنتاج فرنسي وتدور أحداثه في فرنسا، مع مساهمة جزائرية مغربية تمثلت في تقديم بعض التسهيلات. ومنها أيضا فيلم "تمبكتو" للمخرج الفرنسي من أصل موريتاني عبد الرحمن سيساكو، وهو بكامله من إنتاج فرنسي.

أما فيلم "الجنة الآن" للفلسطيني هاني أبو أسعد فربما يكون ما حققه من نجاح عالمي كبير سببا مباشرا في لفت أنظار العرب إلى إمكانية الوصول إلى الترشيحات النهائية للأوسكار من خلال مواضيع عربية تماما، وشجعهم بالتالي على التقدم بأفلامهم.

ورغم أن الفيلم لم ينل الجائزة فإنه فاز بجائزة أخرى هي "الكرة الذهبية" الشهيرة أو "غولدن غلوب" التي تسبق إعلان جوائز الأوسكار. وربما يعد هذا أكبر نجاح "أميركي" لمخرج عربي، وإن كان من إنتاج مشترك مع هولندا وفرنسا، واعتبر كثيرون داخل فلسطين وخارجها أن ترشيحه للأوسكار وفوزه بالكرة الذهبية، يرجع إلى موضوعه الذي يدين الشباب الفلسطيني الذي يختار ما تسمى "العمليات الانتحارية" داخل الأراضي المحتلة.

لكن هاني أبو أسعد عاد بفيلمه الأفضل والأكثر قوة وأصالة، أي فيلم "عمر" (2013) فرشح لجائزة الأوسكار، وكان من إنتاج فلسطيني خالص دون أي مساهمة من الغرب.

للمرة الأولى في تاريخ علاقة العرب بالأوسكار، وصل هذا العام إلى الترشيحات النهائية فيلمان ينتميان إلى العالم العربي: الأول فيلم "ذيب" لمخرجه الأردني هاني أبو نوار، وهو فيلم روائي طويل من إنتاج مشترك مع بريطانيا وقطر والإمارات، والثاني هو الفيلم الفلسطيني القصير "السلام عليك يا مريم" للمخرج باسل خليل، وهو حدث يثير الاهتمام بلا شك.

المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو تألق عالميا بفيلمه "تمبكتو" (غيتي)

بطبيعة الحال ليس كل ما يترشح للأوسكار في فئة "أفضل فيلم أجنبي" يكون بالضرورة هو العمل الأفضل أو الأهم من سينما بلاده، ويدخل في الاعتبار عادة عنصر الدعاية التي تحيط بالفيلم قبيل وصوله إلى الترشيحات، ولا شك أن عرض الفيلم في المهرجانات السينمائية الكبرى مثل كان وفينيسيا وبرلين، يفتح أمامه الأبواب للوصول إلى البوابة الأميركية.

ولا يعتبر عدم فوز فيلم "عربي" ما بالجائزة "هزيمة" عربية كما يميل البعض إلى التبسيط والمبالغة، خصوصا في حال فوز فيلم إسرائيلي، فهم عادة ما يصورون الأمر كما لو كان "هزيمة" عربية أمام "إسرائيل"، وكأن مسابقات الأفلام أصبحت ساحات للحروب، وهي ليست كذلك رغم عدم استبعاد تدخل العوامل السياسية في الكثير من الأحيان لفرض الاهتمام بموضوع معين.

فموضوع مثل المحرقة اليهودية أو ما يعرف باسم "الهولوكوست" الذي يشكل جزءا أساسيا من "الضمير الغربي" وخاصة الأميركي نتيجة عوامل عديدة تاريخية وسياسية، يلقى عادة اهتماما غير عادي من جانب أعضاء الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون السينما، الجهة التي ترشح وتمنح جوائز الأوسكار، ويبلغ عدد أعضائها نحو ستة آلاف عضو من أعضاء اتحاد المنتجين في هوليود وعدد من النقابات السينمائية الأميركية.

لذلك يُتوقع أن تكون جائزة أفضل فيلم أجنبي هذا العام من نصيب الفيلم المجري "ابن شاؤول" الذي يعيد تصوير الممارسات النازية ضد اليهود بتركيز خاص على ظاهرة "غرف الغاز" التي يتشكك كثير من المؤرخين من مدرسة المراجعة التاريخية في وجودها أصلا، لكن هذا موضوع آخر!
___________
كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة