ميرفت صادق-رام الله

عدة كوفيات وأربع بدلات باللون الكاكي ما زالت معلقة في خزانة صغيرة بغرفة أشبه بالقبو فيها سرير صغير وغطاء بسيط، وصورة أب مع ابنته.. كانت هذه غرفة نوم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات التي صارت ركنا في متحف يحمل اسمه.

ومساء الأربعاء افتتح المتحف المقام على بعد أمتار من ضريح الرئيس الراحل في رام الله بحضور الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط ووفود عربية وأجنبية، وذلك تزامنا مع الذكرى الـ12 لرحيل عرفات.

يتكون المتحف من مبنيين، أحدهما حديث وأنشئ على أرض مساحتها 1300 متر مربع، وفيه يسلك الزائر ممرات تحوي صورا تؤرخ لسيرة الرئيس الراحل، ومقاطع فيديو لأبرز محطات حياته.

المتحف يضم مسارات تقدم حكاية الشعب الفلسطيني في مئة عام (الجزيرة)

مبنى الحصار
ومنه ينزل الزائر إلى "مبنى الحصار" وهو أشبه بملجأ، اتخذه عرفات مقرا لاجتماعاته ونومه، ولاستقبال ضيوفه الذين تمكنوا من الوصول إليه خلال حصاره منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2001 أي في الاجتياح الإسرائيلي الأول لمدينة رام الله وحتى 29 مارس/آذار 2004 أي قبل قليل من مرضه ثم رحيله.

ويضم "مبنى الحصار" غرفة نوم الرئيس عرفات ومنامات حراسه، وما زال فراشهم على هيئته، وأسلحتهم "الكلاشنكوف" بجانب أسرّتهم، بالإضافة إلى مكتبه الذي مكث فيه نحو ثلاث سنوات تقريبا وعليه آخر الملفات التي كان يطالعها ونظارته السوداء السميكة وبعض الشموع التي استعان بها عند قطع الكهرباء عنه في حصاره الطويل حتى مغادرته مقر الرئاسة في رحلته الأخيرة للعلاج في فرنسا نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2004.

وهذا الجزء من المتحف نجا من قصف إسرائيلي استهدف محيطه بالكامل ودمر معظم مقر الرئاسة أثناء حصار دبابات الاحتلال لياسر عرفات نهاية مارس/آذار 2002.

ويضم المتحف أربعة مسارات تصاعدية تروي حكاية الشعب الفلسطيني خلال المئة عام الماضية، وتعرض تقاطعات هذه الحكاية مع دور الرئيس عرفات منذ بداية الثورة الفلسطينية المعاصرة في ستينيات القرن الماضي. 

يقول مدير المتحف محمد حلايقة إن المتحف يقدم سيرة أبو عمار الذي كان في محطات مهمة صانعا للتاريخ وفاعلا أساسيا في النضال الفلسطيني.

ويضيف أن غرفة الرئيس عرفات تعرض للجمهور كما تركها منذ رحيله، ولم تجر عليها أي تعديلات، وكذلك غرف الحرس ومكتبه وقاعة اجتماعاته، وقد أدخلت تحسينات على ممراتها فقط لتسهيل حركة الزوار. 

الممرات تضم أيضا مقاطع فيديو لأبرز محطات حياة الرئيس الراحل (الجزيرة)

مسدسه الشهير
ويعتقد القائمون على المتحف أن أهم ما يعرضه هو مقتنيات عرفات الخاصة كمسدسه الشهير (من طراز سميث) الذي حمله دائما وأثار به ضجة كبيرة عندما ألقى خطابه الشهير في مبنى الأمم المتحدة منتصف السبعينيات، وأعلن حينها جملته الشهيرة "جئتكم أحمل غصن الزيتون بيد وبندقية الثائر في اليد الأخرى فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي".

ويشير المتحف في معروضات محددة إلى تورط الإسرائيليين في اغتيال عرفات، فليس بعيدا عن مكتبه يعرض المتحف صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرئيل شارون مع الرئيس الأميركي جورج بوش وتصريحه الذي قال فيه "لا يوجد شريك فلسطيني للسلام وللتقدم نحو التسوية".

وجاء المتحف بعد 12 عاما على رحيل الزعيم الفلسطيني الأبرز، وعلل مديره تأخر افتتاحه بأن إقامة متحف ليست مهمة سهلة وهي تتطلب الكثير من العمل على التفاصيل وجمع المواد وتوثيقها، إلى جانب نقص الخبرة المتحفية في فلسطين وتأخر تمويل إنشائه.

وسيفتح المكان أبوابه للجمهور الفلسطيني الذي سيكون بمقدوره الدخول على دفعات صغيرة لمشاهدة حياة عرفات خلال الحصار مع أرشيف رقمي وسلسلة من الأوسمة والجوائز التي نالها، وأبرزها جائزة نوبل للسلام التي منحت له عام 1994 بعد توقيع اتفاق أوسلو، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز.

ويضم المتحف مركز معلومات إلكترونيا ومكتبة صغيرة متخصصة وصالتين لمعارض ستستخدمان لتنظيم أنشطة متنوعة وورش عمل ولقاءات تبحث المراحل المهمة من تاريخ النضال الفلسطيني في القرن العشرين وسيرة ياسر عرفات. 

ذاكرة وطنية
وبينما انشغل رئيس مؤسسة ياسر عرفات وابن شقيقته ناصر القدوة بضبط قطعة من ستار الكعبة المشرفة أهداها الملك السعودي للرئيس الراحل عام 1984 قال إن مقتنيات عرفات ومتحفه سيكونان محطة مهمة للذاكرة الوطنية المعاصرة، وسيعرضان الرحلة الفلسطينية للبحث عن الحرية والاستقلال من مطلع القرن العشرين وحتى رحيله عام 2004.

وأضاف القدوة أن المتحف يعرض حكاية شعب وسيرة قائد مهم لكل الفلسطينيين ولأجيالهم القادمة التي لم تعاصر عرفات ولا مراحل النضال الفلسطيني السابقة.

المصدر : الجزيرة