يصرّ الروائي المصري يوسف زيدان على سبر أغوار الأنثى في أحدث رواياته "نور"، الصادرة عن دار الشروق بالقاهرة، وهي المتممة لثلاثية بدأها الكاتب قبل أربع سنوات برواية "محال" ثم "غوانتانامو".

وتدور أحداث الرواية في فلك شخص واحد يسرد للقارئ الأحداث من خلال وجهة نظره وتفاعله مع باقي الشخصيات المحيطة، فلا قصص موازية تتقاطع أو تتشابك مع الخط الرئيسي، إنما هي جميعها خيوط تتفرع من البطل وتعود إليه.

الراوي هنا هي "نورا" بطلة الرواية التي عرفها القارئ في الجزأين السابقين، تلك الفتاة الجامعية "السكندرية" المرحة المنطلقة، التي يعود المؤلف ليقدمها للقارئ وقد صارت أما لطفلة صغيرة تحمل الرواية اسمها "نور".

تسير الصفحات المئة الأولى من الرواية وسط أطلال الماضي، حيث تسترجع نورا قصتها مع الفتى النوبي محمد، الذي وهبته أغلى ما تملك، وتعمدت أن تغرس بذرته في رحمها قبل أن تتزوج مقهورة رجلا ليبي الجنسية بسبب ظروفها العائلية والمالية، ويغادر هو مصر.

وبامتداد صفحات الرواية تدور الفكرة الرئيسية حول معاناة المرأة في المجتمعات العربية أو المجتمع المصري -على وجه التحديد- فهي أسيرة محيطها الاجتماعي الذي يشكلها كما يريد، وفريسة نظرات وأطماع الرجال، ورهينة إرادة عائلها المالي الذي ينفق عليها.

ومع بلوغ منتصف الرواية تبدأ الأحداث في التحرك رويدا رويدا مع انتقال نورا مع ابنتها وجارتهما العجوز "توحة" إلى شقة جديدة، وظهور شخصيات جديدة؛ أبرزها المهندس المعماري أشرف الذي تقع البطلة في هواه لاحقا.

"للأنوثة جوهر واحد ووجوه لا حصر لها.. المرأة واحدة، أما أحوال النساء فهي على عدد أنفاس البشر؛ وهذا سر لا يدركه من الرجال إلا من كان راقيا

اقتحام السياسة
وفي الصفحات التالية يأخذنا المؤلف في رحلة عشق بين نورا وأشرف، وقد يصعب على القارئ استساغتها لأنها تشبع رغبات الاثنين في الأمان والدفء والطمأنينة، لكنها لا تفضي في النهاية إلى شكل محدد للعلاقة بينهما، أو تسفر عن ارتباط رسمي.

مع اقتراب النهاية تتعقد الأمور، ويظهر فجأة محمد، الحبيب القديم والأب الحقيقي للطفلة نور، الذي تبدلت أحواله وتغيرت كثيرا بعد سبع سنوات قضاها داخل معتقل غوانتانامو الأميركي، وتقتحم السياسة سطور الرواية بشكل كاسح قد يشكل قليلا من الإزعاج للقارئ الذي اطمأن إلى أنه يتابع عملا اجتماعيا بالدرجة الأولى.

تتصاعد الأحداث وتدخل البطلة في صراع داخلي بين رغبتها في الحفاظ على استقلالها المادي وسعيها للحصول على درجة الدكتوراه وبين الانصياع لنداء القلب وترك كل ما حققته في سنواتها القليلة الماضية من أجل حياة جديدة مجهولة المعالم، ويلخص المؤلف هذه الحيرة في الجملة الأخيرة بالرواية "الحياة التي نحلم بها محال".

لا تخلو رواية "نور" بين حين وآخر من تساؤلات فلسفية للكاتب -أستاذ الفلسفة وتاريخ العلوم بجامعة الإسكندرية- عن حكمة الله في خلقه، وطبيعة التكوين النفسي والبيولوجي للمرأة، التي تجعلها متقلبة المزاج وحادة الطباع في أوقات متكررة كل شهر، إلا أن مقارنة الرواية بسابقتيها "محال" و"غوانتانامو" من حيث ثراء الشخصيات وتعدد مواقع الأحداث والقضايا الفكرية المطروحة قد لا يعطيها الأفضلية عليهما.

وبقدر ما اقترب المؤلف من مشاعر المرأة وهواجسها وآلامها وأحلامها يؤكد -على لسان البطلة- أن بلوغ هذا الموقع عصي إلا على قليل من الرجال؛ "للأنوثة جوهر واحد ووجوه لا حصر لها.. المرأة واحدة أما أحوال النساء فهي على عدد أنفاس البشر؛ وهذا سر لا يدركه من الرجال إلا من كان راقيا".

المصدر : رويترز