بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على وفاته، لا يزال الفنان المصري يوسف وهبي (1896-1982) مثار اهتمام الكثيرين، وهو ما أغرى الإعلامية والكاتبة المصرية راوية راشد بإعادة قراءة سيرته بشيء من الفحص والدراسة في مزج بين مذكراته الشخصية ومراجع ووثائق تحدثت عنه.

في كتابها "يوسف وهبي.. سنوات المجد والدموع" تنبش المؤلفة في الجذور وتروي كيف نبت حب المسرح في نفس الطفل ابن السابعة، وتأخذنا بعد ذلك إلى القاهرة مطلع القرن العشرين حيث تعرف وهبي على صديق عمره محمد كريم -الذي صار لاحقا مخرجا شهيرا وأول عميد للمعهد العالي للسينما في مصر- وجولاتهما معا بالمساء في المسارح والمقاهي.

وبأسلوب سردي مشوق، تسافر بنا المؤلفة من القاهرة إلى إيطاليا حيث رحلة تعلم وهبي للمسرح واقترانه بزوجته الأولى الأميركية لويز لاند التي عاد معها إلى القاهرة، وأسسا معا مسرح رمسيس عام 1923 في جو يتسم بالمنافسة بين الفرق المسرحية.

ويعتمد الكتاب على مذكرات عدد من الفنانين الذين عاصروا وهبي وتحدثوا عنه، ولا تكتفي المؤلفة بالمذكرات بل تقرنها بما نشر في وسائل الإعلام والصحف من نقد وتعليق وتربطها في حكاية مشوقة.

راوية راشد: في السنوات الأخيرة اعتزل وهبي الفن والناس ولم يبق إلى جواره إلا زوجته سعيدة هانم التي عاشت معه أكثر من خمسين عاما ولم تترك يده لا في لحظات التوهج والتألق ولا لحظات الغروب والانزواء

حياة شخصية
ولا تتردد المؤلفة في الخوض في حياة وهبي الشخصية ومغامراته العاطفية التي امتدت معه منذ الشباب وحتى بلوغ الأربعين. ولم يغفل الكتاب ولع وهبي بالمراهنات وسباقات الخيل ولعب القمار وكذلك إفراطه في الإنفاق على المظاهر وإقامة الحفلات.

ولم يكتف وهبي بالتمثيل والإخراج والتأليف والإنتاج والترجمة بل أخذه الحلم إلى فكرة إنشاء "مدينة رمسيس للفنون" كأول مدينة للفنون بالشرق الأوسط والتي لو كان كتب لها النجاح لغيرت مسار التاريخ الفني العربي.

ولا ينضب الكتاب من المفاجآت الجديرة فعلا بالتأمل. فبعد هذه الكبوة الخطيرة في حياته يعود وهبي من جديد، ويتخذ السينما مسارا جديدا له فمثل وأخرج 150 فيلما حتى وفاته.

دور نقابي واجتماعي
مد وهبي يد المساعدة إلى كثير من الوجوه الجديدة، وفتح أبواب الشهرة أمام فنانين أصبحوا بعد ذلك من نجوم السينما والمسرح من بينهم تلميذته النجيبة أمينة رزق التي ظلت تحفظ له الجميل وتذكر أفضاله عليها حتى وفاتها عام 2003.

كذلك كتب وهبي العديد من المقالات التي عبر فيها عن آرائه الاجتماعية والثقافية في العديد من المجلات والصحف، وكان محور تلك المقالات فكرة التغير المجتمعي دون المساس بالقيم الأخلاقية.

وتحمس وهبي لفكرة إنشاء فرقة قومية مسرحية ترعاها الدولة، إلى أن وافقت حكومة محمد محمود باشا على إنشاء الفرقة القومية للتمثيل عام 1935 وأدرجت تبعيتها لوزارة الأشغال وتناوب على إدارتها فنيا كل من وهبي وزكي طليمات.

وتكتب المؤلفة "في السنوات الأخيرة اعتزل يوسف وهبي الفن والناس ولم يبق إلى جواره إلا زوجته سعيدة هانم التي عاشت معه أكثر من خمسين عاما والتي لم تترك يده لا في لحظات التوهج والتألق ولا لحظات الغروب والانزواء".

ويوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 1982، يرحل وهبي، وفي مشهد جماهيري مهيب تشيع جنازته حيث تتقدم أوسمته ونياشينه نعشه بما يليق بمكانة "فنان الشعب".

المصدر : رويترز