في كتاب "الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم"، يستعرض الإعلامي الجزائري فوزي سعد الله مصير ومعاناة الأندلسيين المهجّرين قسرا من الأندلس (إسبانيا حاليا) إلى بلدان أخرى في أعقاب سقوط مملكة غرناطة في 2 يناير/كانون الثاني 1492.

ويخصص الكاتب نصف الكتاب لشتات الأندلسيين في الجزائر الذين كانوا ضمن مئات الآلاف ممن تركوا وطنهم مُكرَهين، إما نفيًا أو بقرار استباقي للاضطهاد الذي سوف يطال جميع المسلمين في شبه الجزيرة "الإيبيرية" (أقصى الجنوب الغربي لأوروبا) من طرف الملوك الإسبان والكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش.

فكانت الوجهة بلدان المغرب الإسلامي، بما في ذلك الجزائر، بينما تشتت الباقون في دول العالم العربي والإسلامي ودول حوض المتوسط ومنها (فرنسا وإيطاليا والبوسنة والهرسك وتركيا وسويسرا)، ووصل آخرون إيران والهند وباكستان ودول جنوب شرق آسيا.

ويلفت المؤلف إلى أنّه بالرغم من الوضع المرير الذي عاشه الأندلسيون، فإنّ أعدادا كبيرة بقيت في إسبانيا -وما يزال بعضهم هناك إلى غاية اليوم- بعدما خضعت للنظام السياسي المسيحي الجديد الذي افتتحتْ عهده الملكة إيزابيل وزوجها فرناندو.

وأجبر النظام الجديد تدريجيا الأندلسيين ابتداء من عام 1500 على تغيير ألقابهم وأسمائهم، ومُنعوا من استخدام اللغة العربية وممارسة الشعائر الإسلامية وكل التقاليد المرتبطة بها من أزياء ومأكولات والاحتفال بالأعياد الإسلامية والختان والغناء على الطريقة العربية الإسلامية.

مئات الآلاف تركوا وطنهم الأندلس مُكرَهين إما نفيا أو بقرار استباقي للاضطهاد الذي سوف يطال جميع المسلمين في شبه الأندلس من طرف الملوك الإسبان والكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش

دور الجزائر
ويقتفي الكاتب آثار الأندلسيين حيثما حلُّوا، حيث اكتشف انتشارهم في جنوب أوروبا والشرق الأوسط بالإضافة إلى شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، على غرار دول مالي والنيجر والسنغال، كما أنّ طلائعهم بلغت إمبراطورية غانا وأدغال أفريقيا.

واستغرق تأليف الكتاب أكثر من عقد من الزمن، اعتمد خلاله المؤلف على البحث الببلوغرافي والشهادات الميدانية الحية لأحفاد الأندلسيين في الجزائر، فضلا عن شهادات الإسبان والإيطاليين والفرنسيين والأتراك والمصريين و"الشاميين" (من إقليم بلاد الشام) وغيرهم من العالمين العربي والإسلامي.

ويسلط العمل الضوء على دور الجزائر في مساعدة المهجّرين الأندلسيين، لكونها كانت امتدادا ديمغرافيا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا لها، مثلما كانت الأندلس امتدادا للجزائر ولكل الشمال الأفريقي.

ويبرز الكاتب الدعم الجزائري للأندلسيين في مؤلفه الجديد، ليس فقط في أنّ بلاده فتحت لهم الأحضان وقدمت لهم كافة التسهيلات للانخراط في المجتمع أو المساعدة المادية والعسكرية بإرسال السلاح والمقاتلين لمساعدة الأندلسيين وأحفادهم الموريسكيين على استرجاع الأندلس والدفاع عن أنفسهم ودينهم، بل قامت أيضا بإجلائهم عندما استعصى استرجاع هذه الأرض وتخليصهم من الاضطهاد.

وعن مدى اهتمام الباحثين والمؤرخين الجزائريين بموضوع "الأندلسيين وعلاقتهم مع الجزائر"، تأسف الكاتب لكون الموضوع لم ينل حقه من البحث والدراسة وإلا لكان الجزائريون مطّلعين على تفاصيله، رغم رغبتهم الشديدة في معرفة هذا الفصل المهم من تاريخ بلادهم.

وقبل هذا الكتاب أنجز سعد الله أبحاثا عميقة حول تاريخ الجزائر العاصمة في الجانب العمراني والثقافي والحضاري والتراثي في تاريخ يهود الجزائر، حيث أصدر "يهود الجزائر.. هؤلاء المجهولون"، و"يهود الجزائر.. موعد الرحيل"، و"يهود الجزائر.. مجالس الغناء والطرب".

المصدر : وكالة الأناضول