المحفوظ فضيلي-الدوحة

لا يزال المغني الأميركي بوب ديلان ملتزما الصمت إزاء قرار الأكاديمية السويدية منحه جائزة نوبل للآداب هذا العام، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عن احتمال رفضه ذلك التتويج في خطوة تعيد إلى الأذهان موقف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي رفض تسلم الجائزة ذاتها عام 1964.

وقد أحيى بوب ديلان (75 عاما) -بعد ساعات من إعلان الأكاديمية السويدية يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري فوزه بأرقى جائزة أدبية عالمية- حفلا غنائيا في مدينة لاس فيغاس، وتحاشى أي تصريح بشأن الموضوع ولم يتفاعل مع الجماهير التي هتفت "الفائز بجائزة نوبل" وهي سابقة في صفوف جماهير موسيقى الروك.

ولم تفلح محاولات الأكاديمية في التواصل معه بشأن حضوره مراسم حفل تسليم الجوائز الذي يقام في العاشر من ديسمبر/كانون الأول، مما دفعها للتوضيح بأن مسألة حضور ذلك الاحتفال أو تجاهله تعود في نهاية المطاف للشخص الفائز بالجائزة.

وقد أثار ذلك الصمت حفيظة أحد أعضاء الأكاديمية السويدية فعلق على الموقف بالقول إنه إذا استمر النجم الغنائي الأميركي في صمته فسيكون ذلك أمرا "فظا ومتغطرسا". وهو تعليق تبرأت منه الأكاديمية التي أوردت ضمن مسوغات قرارها تتويج ديلان أنه "أوجد تعبيرات شعرية جديدة في الأغنية الأميركية التقليدية".

لكن مهما كان موقف ديلان فإن التاريخ سيحتفظ باسمه ضمن سجل المتوجين بالجائزة لأن أعرافها تقضي بأن من يفوز بها سيظل كذلك، سواء تفضل بقبولها أو رفض لهذا السبب أو ذلك استلام المبلغ المالي للجائزة وقيمته نحو 930 ألف دولار.

سارا دانيوس تعلن فوز بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب لأنه "أوجد تعبيرات شعرية جديدة في الأغنية الأميركية التقليدية" (رويترز)

وفي حال مضي ديلان -الذي اشتهر بعدم احتفاله علانية بما يحصل عليه من جوائز- في تجاهله لجائزة نوبل فإن الأمر سيعيد للأذهان الضجة الكبيرة التي أثارها الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905-1980) عندما رفض علانية تلك الجائزة عام 1964 وساق مبررات عدة لقراره.

لكن الفرق بين الموقفين هو أن ديلان يلتزم الصمت، في حين أن رائد الفلسفة الوجودية ومؤلف "الوجود والعدم" و"الغثيان" اختار المجاهرة بموقفه بعد أن علم بنبأ فوزه بالجائزة، وقال "أنا أرفض صكوك الغفران الجديدة التي تمنحها جائزة نوبل".

كما برر سارتر موقفه بمسألة مبدئية في مشروعه الفكري والنقدي تتمثل في التمرد على كل أشكال المؤسسات ورفضه أن يحول الكاتب نفسه إلى مؤسسة.

ضجة تولستوي
وقبل ضجة سارتر بعقود كانت جائزة نوبل للآداب مثار جدل في سنواتها الأولى عندما فضلت اللجنة المانحة في نسختها الأولى عام 1901 للكاتب الفرنسي رينيه برودوم على الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي.

ولم يفوت مؤلف رواية "الحرب والسلام" الفرصة للرد على ذلك الاختيار بالتعبير عن سروره قائلا إن عدم تتويجه "خلصني من صعوبة كبيرة، وهي كيفية التصرف بمبلغ الجائزة، وهو برأيي مثل أي مال لا يجلب إلا الشر".

وفي الأعوام اللاحقة استبق تولستوي كل المساعي الرامية إلى ترشيحه للجائزة بعد صدور روايته "الخطيئة الكبرى" وقال لصديق كاتب -له علاقة بالأكاديمية السويدية- في رسالة عاجلة "أرجو منك رجاء حارا إذا كانت لديك علاقة في السويد -حسب ما أظن- أن تبذل كل جهد ممكن وتسعى إلى عدم منح الجائزة لي".

خلافا لسارتر وتولستوي لم ينبس ديلان ببنت شفة بشأن الموضوع لا من قبل ولا من بعد (لحد الساعة) وهو ما سيعزز علامات الاستفهام والتعجب الكثيرة التي أبدتها أوساط أدبية وثقافية كثيرة في العالم بشأن أحقية مغني الروك بذلك التكريم الذي يذهب عادة للعاكفين في محراب الأدب من قبيل ألبير كامي وغابرييل غارسيا ماركيز وغيرهما.

المصدر : الجزيرة + وكالات