تتأرجح رواية "شجرة الزقوم" للكاتب التونسي سعيد الساري بين مرارة الحياة وغواية الموت ليعالج جدلية الجهل والمعرفة وثنائية الحكمة والخطيئة والجسد والروح وعلاقة الأنا بالآخر بأسلوب جذاب يبدأ واقعيا وينقلب خيالا.

يستدعي الكاتب في هذه الرواية خياله ليبني حصنا حصينا يمنع تسرب الموت عبر شقوق الجهل أو يبني سدا ضد تدفق جهل بالحياة يغوي بالموت.

يوظف الكاتب الخرافة والخطابة والشعر بلغة مليئة بالرموز والإيحاءات، ويستدرج القارئ بهدوء وسلاسة لتتبع خيوط علاقات متناقضة ومتشابكة ومتنافرة عبر قصة تبدو واقعية لكنها لا تخلو من الإيحاءات ثم تتسارع الأحداث فتصب في أتون الخيال وعالم الجنون ولكن بحبكة سردية محكمة.

يقول سعيد الساري إنه عمله السردي يراوح بين "الواقعي والخيالي. إنها رواية تبدو واقعية وتنتهي في الخيال بلا حدود للزمن، وتثير جملة من القضايا الوجودية مثل ثنائية الموت والحياة واغتراب المثقف خاصة والإنسان عامة في واقع يغرق في بحر من الجهل والأنانية".

وتحكي الرواية قصة البطل (عقيل) وهو "رجل أحسن الإنصات فأحسن الكلام" كان له جليس يدعى عاطف يحاول الهروب من الموت بعد وفاة جاره ومربيه فيلحق بعقيل في الحانة (رغم أنه ليس من مريديها) لكنه يستمر في الحديث عنه.

سعيد الساري:
الرواية تبدو واقعية وتنتهي في الخيال بلا حدود للزمن وتثير جملة من القضايا الوجودية مثل ثنائية الموت والحياة، واغتراب المثقف خاصة والإنسان عامة في واقع يغرق في بحر من الجهل والأنانية.

موت وحياة
في الحانة يتعرف عاطف على سلافة فيعشقها، لكن عقيل الذي كان على علاقة بها أيام الدراسة يحاول أن يمنعه، بيد أن ولع عاطف بها يتضاعف وشغفه يزداد حتى مرض ودخل المستشفى واقترب من الهلاك.

ويكتشف القارئ أن سلافة بعد أن قطعت علاقتها مع عقيل تزوجت من ثري وسافرت للعيش معه في بلد أجنبي لكنها أصيبت بمرض نقص المناعة المكتسب انتقل إليها من زوجها.

يحاول عقيل أن يمنع زواج عاطف من سلافة بكل الطرق، وسلك في ذلك كل السبل لكنه أخفق أمام رغبة سلافة التي تملكها شيطان الانتقام.

وفي سياق الصراع بين عقيل مع سلافة لإنقاذ عاطف من موت يسير نحوه بقدميه، تطرح تساؤلات عدة منها "من يسهل تضليله؟ العالم أم الجاهل؟"

يمنى عقيل بالهزيمة في معركته فيأكل الموت الحياة ويقول "غدا يواقع الموت الحياة". ثم يختفي عن الأنظار فلم يعد له أثر.

من هنا تبدأ الرحلة نحو عالم الخيال بحبكة محكمة حيث تنطلق رحمة صديقة سلافة وعقيل وعاطف في رحلة للبحث عنهم بعد أن أضنتها الوحدة وطال غيابهم واختفت آثارهم حتى إذا أتت غرب المدينة وجدت سلافة تحتضر "في بيت متفرد في قبحه" قبل أن يفترسها الموت.

ثم ولت وجهها شرق المدينة فوجدت عقيل قد ضرب خيمة في قرية مهجورة ليؤسس للعمران قائلا "إني أزرع بذرة في هذه الأرض المعطاء".

تعود رحمة لتأخذ معها عاطف إلى القرية الجديدة التي أسسها عقيل وبدأت تتكاثر فيها الخيام وانبثقت الحياة من البذرة، وتدور أحداث في القرية تنحو منحى غرائبيا.

لكن عاطف ما زال يلهث وراء الموت فيقول "أريد أن أموت يا عقيل"، فيرد عليه "لن تموت حتى تحب الحياة". وفي الأخير يموت عاطف فيغرس عقيل غرسا على قبره ويسقيه من ماء البحر.

المصدر : رويترز