عبد الحميد بن محمد-الجزائر

تقدمت الجزائر مؤخرا بمبادرة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) من أجل تصنيف موسيقى الراي ضمن التراث العالمي للإنسانية، وهي خطوة تثير كثيرا من التساؤلات لاسيما وأن الصراع  بين الجزائر والمغرب انتقل من السياسة إلى الفن حيث سبق للمملكة أن قدمت طلبا مماثلا.

وتعد الجزائرية الشيخة الريمتي (1923-2006) من أبرز فنانات الراي، حيث سجلت أول أسطوانة في باريس عام 1954، إضافة إلى مواطنها الشيخ حمادة الذي سجل مئة أغنية بعضها في باريس وبرلين، ومنها أغنية بمعية الموسيقي المصري محمد عبد الوهاب في ثلاثينيات القرن العشرين.

وفي الموجة الثانية من الفنانين لمعت في الجزائر أسماء جديدة بداية من مطلع الثمانينيات مثل الشاب خالد والشاب مامي اللذين أوصلاه إلى العالمية، كما تعد فرقة "راينا راي" من أبرز الفرق التي أضفت على أغنية الراي الحداثة والعصرنة.

وفي الجيل الجديد يعد الشاب حسني (أمير أغنية الراي العاطفية) الذي اغتيل في 1994 وهو في سن الـ26 من ألمع النجوم، حيث ترك خمسمئة أغنية، وكان يصدر ألبومين في الأسبوع، ولم يكن خافيا صراع الجيلين بدليل أصبح يطلق على الجدد لقب شاب وشابة بدل شيخ وشيخة كما كان سائدا في البداية.

محمد بن زيان: المسعى الجزائري ملتبس ومتسم بالانفعالية (الجزيرة)

خصومة فاشلة
ويستعمل فنانو الراي المعاصر كلمات بسيطة جدا تصل أحيانا إلى حد الابتذال، كما لا تخلو من العنف والتمرد، ما يجعلها أكثر رواجا في الملاهي والكباريهات والأماكن المغلقة حيث يشتهر مغنون لا يعرفهم عامة الناس.

وتتكرر في أغنية الراي مفردات مثل "المريول" أو "المريولة"، وتعني المستهتر أو المستهترة، و"الزرقة" وتعني البنت السمراء، كما لا تخلو من كلمات غريبة ومختلقة طالما أن الراي في حد ذاته يعبر عن الممنوع والمحظور.

ويؤكد الباحث والكاتب سعيد خطيبي للجزيرة نت أن الرّاي هو الابن الشرعي للشعر الملحون (الزجل)،  ويضيف أن الراي ظهر في بدايات القرن العشرين حيث لم تكن الحدود الجغرافية بين الجزائر والمغرب كما هي عليه الآن حيث "كان التّواصل الثّقافي والاجتماعي بين الشعبين جد سلس" وفي هذه الرّقعة الجغرافية المشتركة بين البلدين ولد الراي وكبر.

ويشدد مؤلف كتاب "أعراس النار.. قصة الراي" على أن تقديم كل واحد من البلدين ملفا منفصلا لاعتماد «الرّاي» تراثا عالميا غير مادي لن يخدمهما معا، متوقعا فشل معركة تدويل الراي، ويتساءل "ألم يكن من الواجب تقديم ملف مشترك لتحقيق مصالحة ثقافية تاريخية بين البلدين الشّقيقين".

ويؤكد خطيبي أن من واجب الجزائر أن تتصالح أولا مع مغني الراي الممنوعين من الغناء في بلدهم الأم (رضا الطالياني نموذجا)، ومن الواجب المغرب أيضا أن يتوقّف أولا عن "تسييس" الراي في مهرجاناته، ويرى أن المغرب والجزائر يتخاصمان على موضوع لم يبذلا جهدا في وضع تعريف محدد له.

عمار كساب يدعو الجزائر والمغرب إلى استعمال الراي لتوطيد الأخوة بين الشعوب (الجزيرة)

مسعى ملتبس
من جانبه يرى الكاتب الصحفي محمد بن زيان أن المسعى الجزائري جاء ملتبسا ومعبّرا عن هيمنة الانفعالية على صاحب القرار.

ويقول للجزيرة نت إن محاولات احتواء الراي قد بدأت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، مضيفا أن غياب إستراتيجية واضحة جعلت دوائر غربية تحتويه وتسوقه وتستثمر فيه فنيا وتجاريا "استثمارا جعلنا في الخاتمة نستورده بالعملة الصعبة".

ويؤكد بن زيان أن ما دفع الجزائر كي تقدم طلبا لليونيسكو هو تحول المغرب الشقيق إلى بلد مستوعب للراي وهو ما آثار حساسية الجزائر.

ويعتقد خبير السياسات الثقافية عمار كساب أن اقتراح  وزارة الثقافة الجزائرية  يحمل دوافع سياسية، مبديا استغرابه للطلب الجزائري، لأن الراي "لا يتهدده خطر الانقراض"، مضيفا للجزيرة نت أن التعابير الثقافية المهددة بالانقراض عادة ما تدرج في هذه القائمة حتى تعنى بها الدولة.

ويرى  كساب أن تصنيفه سيشكل خطرا على الراي "بوضعه في متحف لا يحتاجه" وتحويله إلى فلكور، لذلك فإنه يحذر اليونيسكو من أن تُستغل قائمتها لتصفية حسابات سياسية ضيقة بين بلدين شقيقين. 

ويخلص إلى أن أغنية الراي "ملك منطقة شمال إفريقيا كلها" ويجب أن تستعمله دول المنطقة وعلى رأسها الجزائر والمغرب كعامل مشترك لتوطيد أواصر الأخوة بين الشعوب.

المصدر : الجزيرة