هيثم حسين

يثني الفلسطيني محمود شقير في روايته "مديح لنساء العائلة" على تشبت المرأة الفلسطينيّة بالقيم والعادات والأعراف الفلسطينية، والولاء والانتماء للأرض المستلبة والمغتصبة، وكيف أنّ دورها أسهم في التأسيس لحالة من القوّة الداخليّة للأسرة المتماسكة، وتصوير مفارقات من الزعزعة التي تعرّضت لها أسر كثيرة جرّاء الاستخفاف بدور المرأة في حمايتها، والمحافظة عليها.

يعتمد شقير في روايته (نوفل، بيروت 2015م)، المرشحة ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2016، على تعدّد الرواة وتنويع الأصوات في عمله، يتنقل من راوٍ لآخر في الفصل الواحد، ينوّع بين الرجال والنساء في السرد، يتّكئ على الأحلام تارة، والرسائل تارة أخرى في مسعى لاستكمال الفصول وتلوين إيقاع السرد.

ثمّ يكون النسج والتحبيك في إطار رسم صورة فلسطين في ظلّ الاحتلالات المتعاقبة، ابتداء بالعثمانيين، مروراً بالإنجليز، وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيليّ، والتغييرات التي أدخلها على الأمكنة المحتلّة في محاولة لتغيير هويتها العربية، وفرض هوية دخيلة عليها.

معمعة الغربة
يتقصّى شقير (من مواليد جبل المكبّر، القدس 1941) سيرة منّان عبد اللات ونسائه وأولاده ونسائهم، وعلاقاتهم المتشعبة وتنقلاتهم بين المشرق والمغرب، وكيف أنّ أسرة منّان تعدّ نموذجاً للأسر الفلسطينية التي وقعت فريسة التشظّي والتشريد بشتّى أنواعه؛ فهناك مَن تشرّد داخل البلد، وهناك مَن حاول البحث عن ذاته في الخارج، فانتكس وأضاع بوصلته في معمعة الغربة.

ويرصد كذلك واقع الاغتراب الذي يعانيه الفلسطيني ويعيشه في أرضه وبين أهله، وكيف أنّ سلطات الاحتلال تحكم قبضتها على الناس وتقيّدهم بنمط معيّن من القرارات والقوانين الطارئة التي تحوّل حياتهم إلى جحيم في ظلّ الاستبداد الذي تمارسه بحقّهم.

أسواق البلدة القديمة تختزل ملامح كثيرة من حياة وتاريخ أهل مدينة القدس المحتلة (الجزيرة)

الراوي الرئيسيّ الذي يجمع خيوط الحكاية، ويتكفّل بتوزيع المهمّات، يستند إلى عمله في محكمة شرعيّة بالقدس في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، يتعرّف إلى مدينته وأهلها المقدسيّين أكثر فأكثر، يعايشهم همومهم ومشاكلهم العائلية، ويقف على أسباب تعميق الخلافات الاجتماعية بين الناس، وجانب من الأسباب التي كانت تهدّد بتفتيت الأسرة، وتؤدّي إلى وقوع كثير من حالة الانفصال بين الأزواج.

يقول الراوي إنّ النساء في عائلتهم مظلومات، ويتذكّر وعده لأبيه بأن يجمع شتات العائلة، وكذلك العشيرة، تلك المهمّة الشائكة التي لم يقدر عليها، لأنّه لم يكن مقتنعاً بها في قرارة نفسه؛ ذلك أنّ أباه أراده أن يكون صورة عنه، وهذا ما لم يكن ممكناً لاختلاف الظروف والمعطيات، لكنّه يلفت إلى أمر نقله إلى والده قبل أن يدخل في غيبوبة، هو أنّه شرع في تدوين الوقائع المتوافرة لديه والتي استقاها من أكثر من مصدر.

لا يقتصر المديح لدى صاحب "فرس العائلة" على نساء عائلة عبد اللات وحدها، بل تكون هذه العائلة مثالاً للعائلات الأخرى التي تلعب فيها النساء أدوار البطولة، ويشكّلن تحالفاً ليس مرئيّاً لتمتين جبهة الأسرة الداخلية في مواجهة الجبهة السياسية والحزبية الوطنية التي طالتها التصدّعات، وأسهمت في تفكيك بنيتها التي يفترض بها أن تظلّ موحّدة، وعرّضتها لموجات من الخلافات التي أودت بها إلى بحر التناحر، وحتّى التحارب أحياناً.

أنسنة الأمكنة
يشير شقير إلى أنّ التوثيق قد يكون ملاذاً، ويلفت إلى رغبة راويه الشديدة في كتابة يومياته في المحكمة والوقائع التي كان شاهداً عليها، ويعبّر عن غضبه ونقمته لسوء حال المرأة والحيف الذي كان يقع عليها، من ذلك مثلاً تزويج القاصرات، واستغلال الفقر والحاجة والتشرّد والنزوح لدى أخريات.

كما يغضب الراوي من حالة تعدّد الزواج المتفشّية في أسرته، ووقوعه نفسه في تلك التجربة، ثمّ دفعه ضريبة فعلته بأن أصبح عاجزاً جرّاء الإصابة التي ألحقها به خطيب زوجته السابق الذي شعر بأنّه يأخذ بثأره منه إبّان موجة التسلّح التي اجتاحت المخيّمات.

يشير شقير إلى أنّ التوثيق قد يكون ملاذاً، ويلفت إلى رغبة راويه الشديدة في كتابة يومياته في المحكمة والوقائع التي كان شاهداً عليها، ويعبّر عن غضبه ونقمته لسوء حال المرأة

يعود شقير إلى زمن الاحتلال البريطانيّ، مروراً بالنكبة التي حلّت بفلسطين، واحتلالها، ثمّ يصوّر جوانب من التغيير الديمغرافي الذي جهدت السلطات الإسرائيليّة على إدخاله على المدن الفلسطينية المحتلة، مروراً بنكسة يونيو/حزيران (1967)، وحرب أكتوبر/تشرين الأول، واجتياح لبنان (1982)، ومحنة انقضاء الزمن ومضاعفة تردّي الأوضاع، بحيث تتحوّل المخيّمات التي كانت مؤقّتة إلى محطّات إقامة مديدة وطويلة.

يلتقط الروائيّ اختلاف العادات بين زمن وآخر، ومن مكان لآخر أيضاً، مدقّقاً في كثير من التفاصيل المتعلقة بأزياء النساء والرجال، بالتزامن مع تصوير واقع الاقتصاد وتطوراته المتعاقبة، ولعبة الأسواق واستغلال الظروف، والدخول في أنفاق الخيبة والارتهان، والتعمية التي مارسها المال عن عيوب بعض المتاجرين بقضايا الناس وهمومهم وأحزانهم وسلامتهم.

لا يعني تأكيد الروائيّ على "مديح نساء العائلة" إهمالاً لرجالها أو ذمًّا لهم، بل يشتمل على توصيف أحوالهم، بما فيها من سلبيات وإيجابيات، وما يستبطنه المديح للنساء من تصدير لا يخلو من تقريع للرجال. وتراه في الوقت الذي يشدّد فيه على رسم خرائط الأمكنة، يؤنسنها، ويمنحها فسحة للبوح، محاولاً تثبيت تفاصيلها في الأذهان، وذلك ردّاً على التغيير الذي أصابه والتشويه المتعمّد الذي سعى لمحو هويّتها.

المصدر : الجزيرة