نزار الفراوي-الرباط

بين التعبير بالكلمة في نص أدبي، شعري أو سردي، وتجسيد الرؤية الإبداعية بالأشكال والألوان علاقة قديمة، فكّر فيها النقاد والفنانون والكتاب، ورصدوا تفاعلها وتناصها، لكن قلما التأمت نخبة من المبدعين الذين يحلقون بين عالمي الكتابة الأدبية والفن التشكيلي ليعيشوا بالملموس هذه التجربة التي تمنحهم متعة مضاعفة ربما وقلقا مكثفا بالتأكيد.

إلى غاية منتصف يناير/كانون الثاني الجاري، يتيح معرض "تصاديات-ألوان وكلمات" بالرباط، الذي تنظمه جمعية الفكر التشكيلي بتنسيق مع وزارة الثقافة، في الرواق التراثي لقصبة الأوداية، المطلة على الأطلسي، للجمهور العام ونخبة النقاد فرصة نادرة للوقوف على مسارات أدبية وفنية زاوجت بين الانصياع لموسيقى اللغة وفتنة كلماتها، وركوب مغامرة اللون والضوء والحركة.

ريشة وقلم
13 كاتبا وفنانا تشكيليا تجاورت لوحاتهم وإصداراتهم، لتكشف وحدة الانتماء إلى عالم الازدواجية التعبيرية من جهة، وخصوصية الرؤية الإبداعية لكل منهم من جهة أخرى. يتعلق الأمر بعزيز أزغاي، وحسان بورقية، وأحمد جاريد، وشفيق الزكاري، ومحمد سعود، وفؤاد شردودي، وبنيونس عميروش، ونور الدين فاتحي، ومحمد كريش، ومحمد المنصوري الإدريسي، وحميد بوحيوي، وعزام مدكور، والحبيب المسفر.

وتجسد تلك الأسماء أجيالا مختلفة ومرجعيات أدبية وفنية وفكرية متنوعة. لكن، هذا الاختلاف لا يخفي توحد الكتاب التشكيليين في طغيان الرمزية والتجريد وفيض الشعرية التي تحققها حركة الخطوط وتجاور الأشكال وحوارية الألوان وانسجامها.

كتاب "تصاديات" يوثق لتجربة فنية بالمغرب تعتبر التشكيل كتابة صامتة والكتابة تشكيلا ناطقا (الجزيرة)

يقول الناقد الفني محمد الشيكر في تقديم كتاب "تصاديات" الذي صدر بمناسبة المعرض إن "التشكيل اعتبر كتابة صامتة، واعتبرت الكتابة تشكيلا ناطقا. الأول يكتب لكي تلتقطه العين، والثانية تشكل لكي تتشنف بها الأذن. ويعود إلى عصر النهضة حيث ساد النظر إلى الكتابة والتشكيل بوصفهما محاكاة للطبيعة، بتقنيات مختلفة".

وفي شهادات وثقها المشاركون في المعرض، الذي تتجاور فيه اللوحة والنص الأدبي، يقول الشاعر والتشكيلي المغربي عزيز أزغاي إن الساحة الثقافية بحاجة اليوم إلى إعادة تمثل كلتا الأداتين التعبيريتين وفق ما يجسر المسافة النفسية المتخيلة بينهما، "بما يجعلنا نكتب قصيدة تستثمر اللون المعبر والحركة العفوية وثنائية الضوء والعتمة وتدبير السطح، مقابل إنجاز لوحة تستدعي كيمياء اللغة وتجاور مفرداتها بناء على الإيقاعات التي تمنحنا إياها لغة الشعر".

من بودلير إلى جبران
ومن الملفت أن اختيار التحليق بين الكتابة والتشكيل لا يجد صدى لدى المحفل النقدي في المغرب والعالم العربي عموما. يتساءل في هذا السياق التشكيلي أحمد جاريد عن سر عدم استساغة ثنائية التجربة الإبداعية في المجال العربي، مع أن تاريخ الأدب والفن حافل بالأسماء التي زاوجت بين المجالين التعبيريين، وأبدعت فيهما.

يشير جاريد إلى كتاب وشعراء من أمثال بودلير وفاليري وأرتو ومالرو وجبران خليل جبران وأدونيس تعاطوا للرسم أو الصباغة إلى جانب كتاباتهم، كما أن رسامين أمثال دو بوفي ومارسيل دي شان كتبوا نصوصا إلى جانب اهتمامهم الرئيسي بالفن، بل وجدت أسماء يستعصي تحديد الغلبة لديها للريشة أو للقلم.

ومن جانبه يؤكد فؤاد شردودي أن الفعل الإبداعي وإن تغيرت أساليبه وتعبيراته يظل واحدا في تكامله وتواشجه، مترابطا يخضع في جوهره لشرط الزمن الإبداعي الموغل في أفقيته، الخالق للجمال وللمتعة والمغايرة، "لذلك حين أتأمل فعلي الكتابة والتشكيل يخطر ببالي هذا التناغم الموسيقي بين البصري والتخييلي لصياغة فنية تلعب فيها الجملة دورا محوريا مثلما تصير فيه الكتلة اللونية خطابا جماليا مفتوحا على التأويل". لذلك انتصر هذا الفنان دائما لتداخل الفنون ولاستدعاء بعضها بعضا.

أما محمد المنصوري الإدريسي رئيس الجمعية المغربية للفكر التشكيلي، الإطار الذي يعمل على إرساء جسور الحوار بين عوالم الإبداع التشكيلي والمحافل النقدية والأدبية والفكرية، فلا يخفي أنه "من أنصار فلسفة الصورة وسلطتها في المجالين التعبيريين معا"، موضحا أنه ينزل اللوحات منزلة النصوص الجمالية وينزل النصوص الجمالية منزلة اللوحات.

المصدر : الجزيرة