حاوره: بدر محمد بدر-القاهرة

أكد رئيس المجمع اللغوي بالقاهرة الدكتور حسن الشافعي أن الأجيال الجديدة في البلاد العربية أصبحت ضعيفة الصلة بلغتها، بسبب ضعف التعليم وغياب دور المعلم الحقيقي، مطالبا "بيقظة مجتمعية" لإحداث نهضة في مجال حماية ودعم العربية.

وأشار الشافعي -في حوار خاص مع الجزيرة نت بمناسبة اليوم العالمي للعربية- إلى خطورة التعليم الأجنبي في بلادنا، مؤكدا ضرورة إلزام مؤسسات التعليم الأجنبي بالمناهج الوطنية. وفي ما يلي نص الحوار:

 كيف ترى واقع العربية في بلادنا رغم الاحتفاء بها في يوم عالمي؟
الأوضاع الراهنة للغة العربية لا تسر أنصارها ومحبيها، لأن الأجيال التي كانت تحسن العربية وتعتز بها من النخبة في الطريق إلى الانتهاء، وذلك لغياب دور المدرسة، والأجيال الجديدة -بحكم غياب المعلم الحقيقي- أصبحت ضعيفة الصلة بلغتها، فالعربية إذن مهددة، وخصوصا على ألسنة الأجيال القادمة.
هذه الأوضاع لا علاج لها إلا بإصلاح التعليم، وإصلاح الحياة العامة يأتي معه أو معاونا له؛ وبالتالي لا بد من عودة الإعلام الراقي والمجلات الثقافية والأدبية والاجتماعية والاهتمامات المختلفة، لأن اللغة ليست ألفاظا فحسب، إنما هي وعاء فكري وثقافي.

 هل ترى أن الاهتمام بالعربية إرادة سياسية، أم يقظة مجتمعية في المقام الأول؟
بل هو يقظة مجتمعية في المقام الأول، والواقع أن السياسة ليست إلا مظهرا نهائيا لتلك اليقظة المجتمعية، ولما كانت الحياة المجتمعية في مصر تعاني بعض المشكلات وتشكو الضعف والتشتت، لنقص أو غياب العناية الإدارية أو السياسية؛ فلذلك تضعف الثقافة وتضعف اللغة، ويضعف الإبداع بوجه عام.

لأن الإبداع سواء كان علميا أو أدبيا أو فنيا، إنما هو ثمرة مجتمع حي، فالحيوية الاجتماعية هي الحل، والناس يبالغون دائما في دور السياسة، ولكن عندما نتكلم عن الثقافة فالمجتمع هو الأصل.

"اليقظة المجتمعية" هي المعوّل عليه، ولدينا جمعيات للدفاع عن العربية قام بها أصحابها من تلقاء أنفسهم، وأعتقد أن شيوع هذا النوع من الجمعيات والأنشطة الأدبية له دور كبير جدا في الرقي بلغتنا العربية

 يمتلك الإعلام قوة تأثير هائلة على المجتمع، فكيف نساعده على الالتزام بدعم واحترام اللغة، حتى تنشأ الأجيال الجديدة أكثر حبا للغتها؟
المجمع اللغوي يملك ما يمكن تسميته بالضبطية اللغوية في مصر، يعني يستطيع أن يحيل بعض المؤسسات، سواء كانت حكومية أو عامة إلى النائب العام، ويطلب معاقبتها، ولكن يغلب على رأينا الآن أن هذا -حتى لو تم- لن يكون له إلا أثر فرقعة.

وأعتقد أن ما أسميته أنت "اليقظة المجتمعية" هو المعوّل عليه، ولدينا جمعيات للدفاع عن العربية قام بها أصحابها من تلقاء أنفسهم، وأعتقد أن شيوع هذا النوع من الجمعيات والأنشطة الأدبية له دور كبير جدا في الرقي بلغتنا العربية.

 هناك توسع كبير في التعليم الأجنبي في بلادنا، إلى أي مدى ترى خطورة ذلك في المستقبل؟
أرى أن شيوع التعليم الأجنبي في بلادنا، على النحو الذي هو عليه الآن، لمختلف اللغات والأمم، وهو ليس تعليم لغة، إنما هو نظام تربوي يتناول الطفل من الحضانة حتى نهاية التعليم، فيخرج أميركيا أو ألمانيا أو يابانيا، ولكنه سيحكمنا في المستقبل، تلك هي الحقيقة التي ينبغي أن نواجهها.

وعلى الأقل يجب أن يتم إلزام هذه المؤسسات بتقديم المنهج العربي الموجود في وزارات التعليم، وأن يكون أستاذ العربية هو الرجل الثاني في المؤسسة، وأن تكون الأوقات المخصصة لتعليم العربية في الأيام والساعات الأولى ليكون الطلاب أكثر نشاطا، وإذا التزمت هذه المؤسسات بهذا القدر، فأنا أعتقد أن ذلك خطوة كبيرة في سبيل الحل.

تعريب العلوم
 ما زالت جهود التعريب محدودة، فكيف يمكن دعمها؟ ومتى نقرأ كافة العلوم بلغتنا نحن؟
قضية التعريب كبيرة جدا، وتحتاج إلى ازدهار جهود الترجمة، لأنه لن يكون هناك تعريب للعلوم إلا بأمرين: الأول اقتناع الأساتذة القائمين بتعريب العلوم بكفاءة اللغة العربية وتمكنهم فيها، والثاني ترجمة علوم المؤلفات الغربية التي تتطور يوما بعد يوم.

نعم هناك جهود مشكورة لمكتب تنسيق التعريب في "المغرب"، الذي يعمل في إطار الجامعة العربية، والمنظمة العربية للثقافة والعلوم، وهناك جهود المجمع اللغوي، وخاصة في مجال المصطلحات العلمية، وهي ضرورية للترجمة، هذه الجهود مستمرة ولكنها غير كافية.

 المجمع اللغوي يقوم بجهد مشكور في دعم العربية وحمايتها، لكن هذا الجهد يبقى حبيس الأدراج في الأغلب، فكيف يمكن أن يشعر به المجتمع أكثر؟
هذه قضية كبيرة، وهي عملية التواصل بين المجمع والجمهور العام، وبالأخص جمهور المثقفين، وهذا يقتضي أن تتحرك اللجنة الثقافية في المجمع وتنظم في كل عام موسمين ثقافيين، وكان ذلك واقعا في فترة التسعينيات.

وإذا استطعنا أن نوثق الصلة بهذا الشباب الجديد الذي جعل مهمة حياته أن يدرس اللغة العربية فهذا هو التواصل، ولكن في ذات الوقت يجب أن يكون هناك تواصل مع المثقفين، والصورة النمطية بالنسبة لمجمع القاهرة، وهي البرج العاجي، قد بدأنا نخرج منها ونقترب أكثر من الجمهور.

الزعم بأن العامية المصرية هي لغة مصر كذب على ضمير مصر وعلى تراثها وتاريخها ودستورها الذي ينص على أن العربية، ونقصد بها العربية السهلة البسيطة، هي لغتها الرسمية، هذه العربية الفصيحة السهلة البسيطة التي تستوعب كل أغراض اللغة أدبية وعلمية

 يقلل البعض من خطورة استخدام العامية بديلا عن العربية لسهولتها، فهل تؤيد هذا الرأي؟
نجيب محفوظ الحائز على جائزة "نوبل" استطاع أن يصل إلى المستوى العالمي في الأدب، وكتب في كل المستويات والمجالات الأدبية والفنية روائية وقصيرة ومتوسطة، وأسهم إسهامات عديدة في خدمة اللغة المعاصرة، ولم يستخدم العامية قط، وكان يكتب حواره بلغة عربية سهلة بسيطة، تجري على ألسن المتعلمين العاديين، والشواهد موجودة وقائمة.

والزعم بأن العامية المصرية هي لغة مصر كذب على ضمير مصر وعلى تراثها وتاريخها ودستورها الذي ينص على أن العربية، ونقصد بها العربية السهلة البسيطة، هي لغتها الرسمية، هذه العربية الفصيحة السهلة البسيطة التي تستوعب كل أغراض اللغة أدبية وعلمية.

جهود المجمع
ما أحدث جهود المجمع العلمية لخدمة العربية؟
من أعمال المجمع العلمية: "معجم لغة الشعر العربي"، فهو وحيد في نسيجه، لأن هناك من جمعوا الشعر العربي، ولكن بلا إحاطة أو شمول، والمجمع اهتم بأمرين: دراسة الجذر العربي والكلمات العربية ومشتقاتها بما يبلغ الملايين، وكذلك الاهتمام بالموعد التاريخي الذي ظهرت فيه الكلمة أو العبارة على لسان كل شاعر عربي في تاريخ العربية.

وهذا المعجم يمهد لصدور "المعجم التاريخي للغة العربية" الذي يعد من روافده هذا المعجم الجديد، ويقدم أيضا المجمع معجما لأعلام العرب وغير العرب الذين خدموا العربية، وكذلك "المعجم الكبير" الذي يعده المجمع، وتجاوز العمل فيه النصف، وهو أوسع معجم تشهده العربية في تاريخها، فهذا المعجم سوف يصدر في أكثر من ثلاثين مجلدا.

هل هناك جديد في "المعجم المصور للطفل العربي" الذي تحدثتم عنه للجزيرة نت في العام الماضي؟  
أعتذر للجمهور عن تأخر هذا العمل، لأننا وجدنا أن ما تم يعلو على ذهنية الطفل الصغير، ونريد أن نخاطب طفلا وصبيا بين السادسة و14 أو نحو ذلك، والصيغة التي وصلنا إليها، وقضينا وقتا في إنجازها، سوف نصدرها للشباب، لأنها تعلو على ذهن الطفل، الذي يحتاج إلى اقتراب وعناية أكثر. وبعد اكتمال "المعجم العربي المصور للطفل العربي"، سيكون مناسبا بإذن الله.

المصدر : الجزيرة