خليل مبروك-إسطنبول

تعيش مراكز البحث والدراسات العربية عصر ازدهار غير مسبوق في تركيا التي باتت تستقطب العاملين العرب في الحقلين البحثي والأكاديمي، خاصة في مجالات السياسة والإعلام والقانون والعلاقات الدولية.

وتتربع اللغة العربية على رأس قوائم اللغات الأجنبية الحاضرة في المؤتمرات العلمية والملتقيات التي تنظمها مؤسسات البحث والدراسات، لاسيما في كبرى مدن البلاد إسطنبول أو العاصمة أنقرة وغيرهما من المدن التركية.

ولا تتوفر دراسة واضحة عن أعداد مراكز البحوث والدراسات العربية في تركيا، لكن عين المراقب لا تخطئ أسماء عشرات المراكز السورية والمصرية والفلسطينية والليبية على وجه التحديد، وغيرها من المراكز العربية المنتشرة بتركيا.

ووفقا لبعض مسؤولي تلك المراكز، فإن العاملين بها في غالبهم من حملة الشهادات العليا وذوي الاعتمادات الكبيرة في مجالات الدراسات الإنسانية، وهم لا يستطيعون مزاولة أعمالهم في بلدانهم بسبب غياب الحريات عنها.

البيئة العربية
ويعزو مدير مركز "رؤية" للتطوير السياسي الدكتور أحمد عطاونة انتشار مراكز الدراسات العربية بتركيا إلى عوامل تتعلق بالمفارقة الكبيرة بين بيئتي البحث والدراسات في بلدان العالم العربي من جهة وتركيا من جهة أخرى.

ويوضح عطاونة، الذي يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، أن الظروف الواقعية التي تعيشها بلدان الربيع العربي عقب الثورات والثورات المضادة -التي تحولت في بعضها إلى حروب أهلية- قد جعلت الكثير من هذه الدول بيئات غير ملائمة للعمل البحثي والسياسي.

أحمد عطاونة: تركيا تقدم تسهيلات لمراكز البحوث والدراسات (الجزيرة)

ويقول عطاونة الذي أسس مركزه البحثي بمدينة إسطنبول للجزيرة نت إن تركيا برزت في الوقت ذاته بوصفها دولة مدنيّة ذات تجربة سريعة التطور في مجالات الحرية والتعددية السياسية والممارسة الديمقراطية، مما ساهم في اجتذابها للرواد من الباحثين العرب.

ولا يغفل الأكاديمي والباحث الفلسطيني دور التسهيلات التي تقدمها الحكومة التركية للبيئة البحثية، إضافة إلى سهولة الإقامة وافتتاح المراكز والمؤسسات بمتطلبات بسيطة، فضلا عن القرب الجغرافي وانتماء تركيا للإقليم العربي نفسه.

وبيّن أن المراكز العربية في تركيا تستهدف بالأساس الجمهور في العالم العربي، مضيفا "كل مركز هنا يضع جمهور بلده في دائرة استهدافه وليس أبناء جاليته المغتربين، لكن بوحي التجربة التركية التي تركز على تعزيز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان".

وإلى جانب عشرات المراكز التي يمتلكها العرب أو يديرونها، فإن كثيرا من كبرى مراكز البحث التركية بدأت تحرص على اقتناء منصات اتصال فاعلة بالبيئة البحثية العربية، كالمواقع الإلكترونية أو المجلات الدورية الناطقة باللغة العربية.

وتعد مجلة "رؤية تركية" الفصلية المحكّمة الصادرة عن مركز "ستا" للدراسات، أولى المجلات الأكاديمية العربية في تركيا، وهي متخصصة في نشر البحوث والدراسات حول القضايا المحلية والإقليمية والدولية في مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع.

 كبرى مراكز البحث التركية بدأت تحرص على اقتناء منصات اتصال فاعلة بالبيئة البحثية العربية كالمواقع الإلكترونية أو المجلات الدورية الناطقة باللغة العربية

جسر العلاقات
ورغم إفرادها مساحات لمناقشة شؤون الشرق الأوسط والقضايا الدولية، فإن المجلة التي رأت النور عام 2012 تركز بشكل أكبر على العلاقات التركية العربية عبر نشر الدراسات والمقالات والتحليلات وعروض الكتب المتعلقة بها.

ويقول رئيس تحرير المجلة الدكتور رمضان يلدريم إن اختيار اللغة العربية يرجع إلى حرص تركيا على تقوية العلاقة مع الدول والشعوب العربية، مؤكدا أن المجلة تطمح للمساهمة الفاعلة في عملية التوعية والارتقاء الثقافي.

ويشير يلدريم في حديثه للجزيرة نت إلى أن "رؤية تركية" تحمل مسؤولية إزالة "سوء التفاهم والمغالطات التاريخية المتبادلة بين العرب والأتراك التي لا أساس ولا صحة لها، وإعطاء الفرصة للطرفين لإعادة اكتشاف أنفسهما من جديد وتعزيز مناخ الصداقة والتعاون فيما بينهما".

ويوضح يلدريم أن المجلة عملت كجسر لإنشاء العلاقات الأكاديمية والثقافية بين تركيا والعالم العربي عبر تنظيم مؤتمرات وندوات في كل من مصر وليبيا وتونس والمغرب، وبمشاركة أكاديميين وسياسيين وإعلاميين من بلدان عدة.

ونوه إلى أن المجلة العربية خصصت عددها الماضي لعرض دراسات ومقالات بحثية عن دول الخليج العربي، وستخصص جزءا واسعا من صفحاتها في العام 2016 لتغطية الملفات السورية واليمنية والليبية، لكنه اعتبر عدم توزيع المجلة في كافة البلاد العربية وقلة عدد الباحثين الأتراك القادرين على الكتابة باللغة العربية من أهم العوائق التي يواجهها نشاطها في نشر الدراسات والأبحاث.

المصدر : الجزيرة