المحفوظ فضيلي

في الحلقة الثامنة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نقف مع الكاتب السوري عبد الرحمن مطر الذي تنسم هبوب الربيع العربي وهو رهن الاعتقال السياسي قبل أن تقوده الرياح إلى ما وراء البحار ليستقر في الأراضي الكندية.

ويرى مطر (الرقة/1960) أن الكاتب العربي يعيش اليوم في محنة، إزاء تطورات وتقلبات الربيع العربي، وذلك بسبب سيطرة القوى المسلحة على مسارات الثورات ومآلاتها نتيجة الانكسارات والارتدادات التي حدثت في بلدان الربيع العربي.

لكن صاحب رواية "سربا بري" لا يخفي تفاؤله بأن دور المثقف والمبدع العربي سيكون لصيقاً بالاستنهاض والتنوير بعد أن ساهم بصورة فعالة وغير مباشرة في التحريض المستمر على التغيير، وعلى مواجهة الاستبداد بمختلف صنوفه واتجاهاته.

وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

   أن تجتاح المنطقة العربية عاصفة شعبية باتجاه التغيير، ظل مجرد أمل يراود مخيلتنا، أقرب إلى السراب من الحلم. كان اندلاع الانتفاضات مفاجئاً بالقطع، والمفاجأة الأشد إذهالا أنها جاءت من تونس. لا يمكن لأحدٍ الادعاء بالتوقع حتى أولئك المشتغلين في إطار المعارضات الوطنية.

ما حدث منتظر، لكنه لم يكن في الوارد، خاصة أن نظم الاستبداد قد شددت عبر العشرية الأولى من قبضة الطغيان، مغتنمة علاقاتها مع الغرب، ومصالحه في بلداننا. غير أن ذلك لم يأت من فراغ، فاستمرار القمع والاضطهاد والعسف، سيقود الى الانفجار وإن تأخر.

كنت داخل السجن، معتقلاً سياسيا، لم أشعر بالقلق المشبوب بالأمل، بمثل تلك اللحظة التي خرج فيها التونسيون محتجين على ما حدث، ثم وهم يملؤون الشوارع بهتاف أحسست به يهز جدران السجن، وهم يهتفون: ارحل! لم أستطع النوم بعدها.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

بلا شك الكتابة العربية عبر نصف قرن من الاستبداد انتقلت من مقارعة الاحتلال الأجنبي والتحريض عليه، إلى كشف الطغاة ومواجهتهم والدعوة للخلاص منهم، فكان أول الضحايا الذين استهدفتهم أنظمة الطغاة.

لعب المثقفون/المبدعون العرب دورا مهما في تهيئة المناخ العام لما يُعرف بالربيع العربي، من خلال كتاباتهم ومشاركاتهم، في الأدب والسياسة والإعلام والحقوق والفنون المختلفة. لقد شكّل الإبداع المناهض للاستبداد عبر سنوات طويلة أرضية منتجة للتمرد، في ظل القمع والخوف، عبر التراكم النضالي للمثقفين، الذين يُعتبرون هدفاً رئيسيا لنظم الاستتباع والاستعباد الأمني، لخمسين عاماً مضت في سوريا كمثالٍ يمكن سوقه على بلدان أخرى مشارقية ومغاربية.
 
اعتقل العشرات من الكتاب، وأقصي مئات المثقفين، منعت مؤلفاتهم وصودت. هُجِّروا، وحرموا من ممارسة النشاط الثقافي والسياسي، غير أن كثيراً منهم تمكن من القيام بواجبه، كلٌ وفق قدراته وإمكاناته وموقعه.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

اختلفت مواقفهم. مبدعون مؤثرون كانت مواقفهم صادمة، فقد طغى تبنيهم لمسألة الحريات والحقوق على جوانب عطائهم الإبداعي، أو أنه كان رديفا لشخصيتهم الإبداعية، كانت بوصلتهم النأي عن ثورات الربيع العربي، منذ انطلاقاتها الأولى، ولم يكتفوا بذلك، بل شكل خطابهم الثقافي، سندا للديكتاتورية، وتبريرا للطغاة. لقد كشفت الحقائق الازدواجية والزيف.. خان المثقف ذاته وأفكاره. يعتقد أنه على صواب، لكن الانحياز للقتلة لا غفران له، ولا وجهة نظر فيه.

التزام الحرية مبدأ، وهو شرط محقق لانتماءٍ مكوّن للشخصية الإبداعية، واقتران الأفكار بالعمل مؤشر على القيمة الثقافية لعطاء الكاتب. الإيمان بالحريات والحقوق هي عقيدة وليست موقفاً متغيرا.

من وجهة أخرى، لم يستطع المبدعون العرب تبوء المكانة المؤثرة والفعّالة كما يتوجب. على كثرة المثقفين/المبدعين العرب المنتمين لحراك الربيع العربي، المنحازين الى الحرية، بقي دورهم غير محوري. وتمكنت القوى التي نهضت على أطراف الحراكات المدنية-السلمية، من إقصائهم عن المشاركة الفاعلة. لكن نتاجهم الأدبي ما يزال حتى الآن مساهمة خجولة في النتاج الثقافي العربي. فقد طغت الكتابة السياسية والإعلامية على المشهد العام لانشغالات المثقفين العرب.

 صدرت أعمال قليلة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. المسألة ليست كمية، لكنها لم تعكس بعدُ انشغالاً جوهريا وحيوياً بالربيع العربي، عبر أعمال أدبية كالرواية والشعر، وغيرها  من وسائل التعبير. حدثٌ كهذا -كما أعتقد- لا يمكن انتظار تبلوره وتعتقه، كي نكتب فيه، ونعبّر عنه. ربما نؤرخ لحظته الراهنة بمآلاتها المفتوحة على المجاهيل بنص أدبي.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

انطلق الربيع العربي، دونما خلفيات طائفية أو نزوع إثني وعرقي، مما يعني أصالته. لذلك ما زلت مؤمناً بأن الشعوب ستنتزع حريتها، وتطوي صفحة الاستبداد وتزيح الطغاة عن وجه المستقبل، وتحقق بناء دولة المواطنة

   الكاتب العربي اليوم في محنة، إزاء تطورات وتقلبات الربيع العربي، بسبب سيطرة القوى المسلحة على مسارات الثورات ومآلاتها، هذه المحنة بلا شك ولّدتها الانكسارات والارتدادات التي حدثت في بلدان الربيع العربي، فقد اختطفت الثورات، وحيدَ بها عن مسارات الحرية التي ولدت من أجلها، ووجد الكاتب العربي نفسه في حيرة مما يجري، ليطرح السؤال المرير، هل أراد أن تؤول شعوب المنطقة ضحية للإرهاب، مهجرة، مقتلعة؟ بلا شك القيمة الاساسية هي الحرية، وستبقى الهدف الأهم، رغم انحراف السبل نحوها.

  بوادر الانكسارات لاحت في وقت مبكر، مع تدخلات قوى إقليمية ودولية، لم يكن في حسبانها أو صالحها انتصار ثورات الربيع العربي. لاحت مبكراً منذ أجبرت الأنظمة شعوبها على حمل السلاح لمواجهة بطشها. ولاحت مبكراً حين تخاذل المجتمع الدولي عن مساندة قواها المدنية.

على أي مدى (متوسط، بعيد.. ) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية..) ستتحقق على أرض الواقع؟

  انطلق الربيع العربي، دونما خلفيات طائفية أو نزوع إثني وعرقي، ما يعني أصالته. لذلك ما زلت مؤمناً -رغم كل شيء وعلى المدى الطويل.. بعد أن أُوغِلَ بعيداً في الدماء - بأن الشعوب ستنتزع حريتها، وتطوي صفحة الاستبداد وتزيح الطغاة عن وجه المستقبل، وتحقق بناء دولة المواطنة.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

   الكتابة العربية، ساهمت بصورة فعّالة غير مباشرة في التحريض المستمر على التغيير، وعلى مواجهة الاستبداد بمختلف صنوفه واتجاهاته. ولو لم يكن لتراكمه نتاجٌ وتأثيرٌ في الحياة العامة، لما شكل هذه الدرجة من الخطورة التي يستشعر بها الطغاة، كي يضعوا مسدساً في مواجهة كل قلم، ويطاردوا كل حرف.

 مجتمعاتنا التي دخلت في دائرة الإرهاب والظلامية، فأربكتها، وقلبت كل شيء، ستخرج من هذا التيه المرّ، ولا تخامرني اية ظنون بأن دور المثقف العربي والمبدع العربي سيكون لصيقاً بالاستنهاض والتنوير.

   لست أجد اليوم، رؤى وتصورات، أنتجها المبدعون العرب حيال التطورات الراهنة. انغمسوا مثل كل الفئات الاجتماعية بالهموم، وغمرتهم رياح الضياع. لكن الغد يبشر، ولديّ أمل كبير.. بحجم الخيبات والمرارات.

المصدر : الجزيرة