أمير تاج السر

كنت كتبت منذ فترة عن تأثير الأشياء المحيطة بالكاتب أو العادات التي يمارسها في حياته، مثل القراءة، والسفر، وحتى التدخين، والجلوس في المقاهي، في مسألة إبداعه، وأن الكاتب بوصفه إنسانا، لا يستطيع إلا أن يمارس ما يمارسه الآخرون، فقط يأتي شغف الامتصاص، والتخزين في الذاكرة، ومن ثم استدعاء المخزون، وكتابة أعمال قصصية أو روائية، أو حتى مقالات صحفية،  تتعرض لشيء ما.

ولو تأملنا كثيرا من الإبداعات المنشورة لأدباء في كل بلد من بلاد الدنيا، لعثرنا على مفردات مشتركة، هي مفردات الإنسان بصفة عامة، ومفردات خاصة، هي التي تشمل تأثر الكاتب ببيئته الخاصة جدا، وعاداته التي ينفرد بها.

كل القصص فيها مدن أو قرى أو شوارع يعبرها الأبطال، بها نوافذ وأبواب يطلون عبرها، بها ضحكات يضحكونها ومقاعد يجلسون عليها، وموائد للأكل، مثلا، وزخم آخر يكتب، لا بد، وطبعا ستجد هناك من يدخن النرجيلة ومن يدخن السجائر ومن لا يدخن، أو يحتسي حتى الشاي والقهوة.. هكذا.

أتطرق إلى مسألة القراءة المعرفية، أو بغرض المتعة، التي يمارسها كاتب جديد، لمؤلفات كاتب آخر يسبقه، وإمكانية أن تؤثر تلك القراءة في إنتاجه اللاحق، إما عن قصد، بسبب إعجابه بمقاطع معينة في كتاب زميله، أو عن غير قصد حين تأتي تلك المقاطع أو مقاطع شبيهة بها، في عمله الذي يكتبه. وقد لفت أحد القراء المخلصين نظري منذ عدة أيام، إلى مقطع ليس قصيرا في رواية مشهورة لكاتب عربي، يتحدث عن فنتازيا تاريخية، ويورد حوارا صاخبا بين رجل وامرأة، يحيل فيه الرجل تلك المرأة التي التقاها مؤخرا، إلى محبوبة تاريخية، لربما كان يعشقها جده في زمان غابر، وظهرت بعد قرون في حياة الحفيد.

هذا المقطع نفسه، وبتغيرات طفيفة للغاية، ورد في رواية أخرى لكاتب معاصر، بالرغم من أن الروايتين بعيدتان تماما عن بعضهما، من ناحية الموضوع والأجواء.

حقيقة استغربت الشبه حد التطابق، بين ما ورد في الرواية القديمة، والجديدة التي كتبت بعد الأولى بأكثر من أربعين عاما، وكأن الكاتب الجديد وضع المقطع القديم أمامه وهو يكتب، وكان في رأيي غير مناسب للرواية بقدر ما هو مناسب للرواية الأولى.. لكنه التأثر الذي ذكرته، وأريد أن أؤكد أنه مسألة عادية وتوجد في شتى العصور، ولا تعتبر جريرة تستوجب أن يلام مرتكبها حين يتم تناول ذلك الإبداع بواسطة النقاد أو القراء فيما بعد، أي بعد أن ينشر.

الكتابة هكذا ماضية، ولا أقول إنه سيأتي يوم تنعدم فيه لذة التجديد أو المغامرة وتصبح الكتابة واحدة، ولكن تلك التأثيرات تبقى ما بقي الإبداع. لكن المشكلة الكبرى هي سرقة النص كاملا بعد تشويهه.. هنا لن يكون الإبداع إبداعا

تناص وسرقة
وأصلا إذا نظرنا إلى كم المواضيع الموجودة في العالم، والأفكار التي يتم تداولها في مواضيع الكتابة، لوجدناها محدودة بشكل كبير، وتحتاج إلى مهارات وصبر، من أجل أن تحوّر وتكتب بطريقة أخرى، في كل مرة. ونكون سعداء دائما إذا عثرنا على جديد مهم أضافه المبدع المتأثر، أو أعجبتنا طريقته في إخراج ذلك الإبداع. وقد ابتكر البعض المصطلح  المسمى: التناص، أي وجود فقرات متشابهة في نصوص غير متشابهة، كما في الحالة التي ذكرتها، وذلك لإبعاد شبهة السرقة عن المبدع المتأثر، واعتبار الأمر تأثرا وليس شيئا آخر..

وقد تذكرت أن شخصية معينة لرجل ريفي، كتبتها في بداياتي وبمواصفات خاصة، عثرت عليها عند شخص آخر بنفس المواصفات واسم شبيه بالاسم الغريب الذي أعطيتها إياه، وكان كما يبدو إعجابا من الكاتب بتلك الشخصية، لتدخل نصه الذي لم يكن يشبه نصي على الإطلاق، أو لعله توارد في الخواطر، وهذا شيء موجود أيضا، ولكن ليس مثل التأثير والتأثر..

أذكر أن الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز ذكر أكثر من مرة أنه تأثر بالرواية اليابانية "الجميلات النائمات" التي كتبها ياسوناري كواباتا منذ سنوات طويلة، وتمنى أن يكون هو كاتبها، حيث أعجبه -كما هو واضح- موضوع أولئك المسنين الذين توقف تعاطيهم للمتعة الجسدية بفعل العمر، لكنهم يذهبون إلى بيت معين تديره امرأة، ليراقبوا ويلمسوا فتيات صغيرات وجميلات نائمات طوال الليل، ولا أمل في استيقاظهن مهما فعلوا كما كانت تقول صاحبة البيت. وقد كان إيقوشي العجوز -بطل قصة كواباتا- ما زال قادرا على تعاطي المتعة، لكنه يتوخى الحذر كي لا يطرد، ويظل في عرف صاحبة البيت والجميلات النائمات، عجوزا مهدما يراقب فقط، ويدفع ثمة متعة المراقبة، عن طيب خاطر. 

لقد كتب ماركيز مقدمة الطبعة الإسبانية لكتاب كواباتا كما هو معروف، وكتب أولا قصة قصيرة عن مسافر جلست بجانبه فتاة جميلة في الطائرة، وابتهج كثيرا، وهو يتوقع صحبة رائعة في رحلة طويلة، لكن الفتاة ابتلعت قرصين منومين، واستغرقت في نوم عميق، ولم يكن يملك خيارا سوى مراقبة نومها. ثم عاد ماركيز وكتب رواية قصيرة بعد ذلك، من شدة تأثره، ولم تكن سرقة بأي حال من الأحوال. كانت فكرة خلاقة، طرقت من قبل، وتم طرقها مرة أخرى.. هذا كل ما في الأمر.

ولو ألقينا نظرة سريعة على الأدب العربي الذي يمر بأيام جيدة من حيث تنوع التجارب وتطور الأدوات الفنية، لوجدنا كثيرا من تلك التأثيرات بين كاتب وآخر، ولا تكاد رواية أو قصيدة تخلو من ملمح لمبدع آخر، فلو كتب الريف في رواية يكتب بنفس مفرداته التي لا يمكن تغييرها، كما ذكرت، ولو كتبت المدينة الآن لن يستطيع أحد أن يأتي بزحام مختلف أو شوارع مختلفة أو باعة متجولين  مختلفين، ومن ثم يأتي التأثر العام بكتابة الآخرين، التأثر الذي لن يعتبر جريرة ولن يلام عليه المبدع.

الكتابة هكذا ماضية، ولا أقول إنه سيأتي يوم تنعدم فيه لذة التجديد أو المغامرة وتصبح الكتابة واحدة، ولكن تلك التأثيرات تبقى ما بقي الإبداع، لكن المشكلة الكبرى هي سرقة النص كاملا بعد تشويهه.. هنا لن يكون الإبداع إبداعا.

المصدر : الجزيرة