هيثم حسين

يعتمد الفرنسي جان كريستوف روفان (1952) في روايته "الطوق الأحمر" على حكاية رواها له أحد أصدقائه، وهي عبارة عن حادثة كان جدّه بطلها، إذ قلّد كلبه أثناء احتفال رسمي وتحت تأثير الخمر وسام شرف كان قد ناله في الحرب.

يصف الروائي تلك الحادثة بأنها واحدة من تلك الجواهر الصغيرة والنادرة التي تهبها الحياة، والتي -بالاعتماد عليها- يمكن بناء صرح روائيّ.

يشير روفان في روايته (دار ممدوح عدوان، دمشق، ترجمة ريتا باريش 2015) إلى التغير الذي يصيب بعض المشاركين في الحرب، وكيف يندفعون إلى مناهضتها بكل قواهم، كحالة بطله جاك مورلاك الذي كانت الحرب بالنسبة إليه لغزا لم يكن ليتصوّر وجوده.

وفي سياق رفضه للحرب ومناهضته لها، أراد أن يعرف أكثر عن السياسة والاقتصاد والشعوب والأمم، وأراد أن يشكل حلفا لمناهضة الحرب، وإثارة الناس ضدّ المتسبّبين بها.

يسعى روفان لإدانة الغريزة التي تهيمن أثناء الحروب، تلك التي يسميّها رتبة العار التي تحتفي بالعنف الأعمى والخضوع الأقوى، والغرائز الأكثر حيوانية

رتبة العار
يصوّر صاحب "الحبشيّ" واقع سجن في بلدة بعيدة عن باريس، حيث يقبع سجين وحيد ومعه كلبه الذي لا يكف عن النباح، وسجّان خمول ينتظر التعليمات، ويمارس دوره بطريقة آليّة. يكسر حضور القاضي العسكري رتابة المشهد، ويستقدم ليستجوب السجين مورلاك.

اتهم مورلاك  بالإساءة للنظام، وهو الذي كان قد نال وسام شرف أثناء مشاركته في الحرب العالمية الأولى، وفي لحظة مفاجئة أثناء احتفال وطنيّ، قام بوضع ذاك الوسام وتعليقه بطوقه الأحمر في عنق كلبه الذي رافقه في معاركه أثناء خدمته العسكريّة، مما جرّ عليه غضب السلطات التي ألقت به في السجن.

يسعى روفان لإدانة الغريزة التي تهيمن أثناء الحروب، تلك التي يسميّها "رتبة العار التي تحتفي بالعنف الأعمى والخضوع الأقوى، والغرائز الأكثر حيوانية". وتراه يحوّل استجواب القاضي للسجين إلى نوع من محاكمة مرحلة الحرب، ومساجلة للبحث عن سبل تسييد السلام.

ويتساءل على لسان راويه كيف جعلت الحرب من الأمور الحميمية أمرا لا يطاق، كما لو أن خليط الأجناس وأسرار الأجيال تلاقت مع عربدة الدم والموت، بذلك "الخليط من الدناءة الذي يسري في شظايا القذائف".

ويصف كيف أن الحرب التي حرمت بطله مورلاك من التعبير عن مشاعر الفرح والابتهاج، طوّرت فيه القدرة على التعبير عن الغضب وحتّى الحقد. وأن سنوات الحرب أسفرت عن رجال بلا أي خوف، عاشوا الكثير من الفظاعات، حتى إن لا شيء ولا أحد يستطيع أن يرهبهم.

يشير الروائي إلى أن القاضي كان مسكونا بمشاعر متناقضة، وأنّه حين اختير ليكون قاضيا عسكريا، كان لديه شعور بأنه مستعد لهذه العملية الصعبة، حماية المؤسّسة العسكرية، ومصالح الأمة من جهة، وأيضا فهم نقاط ضعف البشر. إلا أن السجين مورلاك كان مختلفا، فهو ينتمي لكلتا الحالتين: كان بطلا لدفاعه عن الأمة، وفي الوقت نفسه كان ينبذها.

يصوّر صاحب "الحبشيّ" واقع سجن في بلدة بعيدة عن باريس، حيث يقبع سجين وحيد ومعه كلبه الذي لا يكف عن النباح، وسجّان خمول ينتظر التعليمات، ويمارس دوره بطريقة آليّة

كراهية الحرب
ينقل صاحب "البرازيل الحمراء" اعتراف بطله مورلاك بأسى أن كلبه كان البطل وليس هو، ليس لأنه تبعه إلى الجبهة وجرح، بل لأن الأمر أعمق بكثير وأكثر شمولية. يرى أنه كان يتمتع بكلّ الخصال التي على الجندي أن يتحلى بها.

كان مخلصا حتى الموت، شجاعا لا يرحم الأعداء. ينقسم العالم بالنسبة إليه إلى خير وشر، لكن يستغرب تماهي الجنود مع الكلاب، ووجوب امتلاك مناقبها. ويجد أن التنويهات والنياشين ورتب الشرف والترفيعات كلّها كانت لمكافأة أفعال الحيوانات.

يعتقد مورلاك أن التجلي الوحيد للإنسانية هو نشر التآخي بين الأعداء وإعلان الإضراب في الحرب لإجبار الحكومات على السلام، ويعترف أنه حين فهم ذلك توقف عن كره كلبه "غليوم".

ويقول إنه لم يكن لديه سبب ليحبه أيضا. لقد أطاع لأنها طبيعته، وهي ليست طبيعة بشرية. كان ذلك عذره الوحيد، في حين أن البشر الذين يتمّ إرسالهم إلى المذبحة، لم يكن لهم عذر. وحينها قرّر ما فعله.

يسعى الروائي لتأكيد إدانته للحرب، ويقول على لسان بطله إن كل ما يزيد من كراهية الحرب لدى الناس هو جيّد بالنسبة إلى القضية التي يحارب من أجلها، ويجد أنه لو رفض الأبطال المزعومون التكريم الدنيء من الذين نظموا المجزرة، فسيتوقّف الاحتفال بالنصر المزعوم. يصرح أن النصر الوحيد الذي يستحقّ الاحتفال هو النصر على الحرب وعلى الذين أشعلوها.

يُذكر أن جان كريستوف روفان، طبيب ومؤرخ ودبلوماسي فرنسي، انتخب سنة 2008 عضوا في الأكاديمية الفرنسية ليصبح أصغر الأعضاء سنا فيها. حازت روايته "الطوق الأحمر" على جائزتين: جائزة الأطبّاء عام 2014، وجائزة "موريس جنيفوا" لمدينة غارش في العام نفسه.

المصدر : الجزيرة